المدرسة الذهبية … قصة وفاء وإصرار في زمن الحرب والخراب

الذهبية تنهض من تحت الركام : وصية تحيي منارة العلم من جديد
من سبعة طلاب إلى حلم وطن: كيف عادت المدرسة الذهبية للحياة؟
تقرير : نادر حلفاوي
في مشهد يفيض بالأمل والإصرار، استعادت المدرسة الذهبية الخاصة، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في السودان، أنفاسها من جديد بعد أن كادت أن تُطوى صفحتها بفعل الحرب والدمار. هذه المدرسة التي أسسها الراحل ربيع دهب احمد ، كانت ولا تزال منارة للعلم والتفوق، وواحدة من أبرز المدارس التي حجزت لنفسها مكانة مرموقة في الصفوف الأمامية للمؤسسات التعليمية في البلاد.
إرث لا يُنسى ووصية لا تُهمل
لم تكن رياض ومدارس الذهبية مجرد مبنى تعليمي، بل كانت حلماً تجسد على أرض الواقع بجهود مؤسسها الراحل ربيع دهب، الذي كرس حياته لتأسيس صرح تعليمي متميز. وقد أوصى، هو وزوجته السيدة الفاضلة سعاد محمد عثمان الكوري ، بالحفاظ على هذا الصرح وعدم السماح بإغلاقه مهما كانت الظروف. هذه الوصية كانت بمثابة نبراسٍ لأسرته، التي عقدت العزم على إعادة المدرسة إلى سابق عهدها، رغم ما خلفته الحرب من دمار وخراب.
دمار شامل وإصرار على النهوض
الدكتور أحمد ربيع دهب ، نجل المؤسس، قال تتكون مدارس الذهبية من ثلاث مبانٍ رئيسية ، مبنى البنين، مبنى البنات، ومبنى الروضة. كل مبنى كان مجهزاً بأحدث وسائل الراحة والتدريس، من مكيفات ومراوح إلى تجهيزات الصفوف والمخازن وقاعات للمؤتمرات . إلا أن الحرب لم تترك شيئاً في مكانه؛ فقد سُرقت جميع المكيفات والتي تقدر باكثر من 75 مكيف موية و الكيبلات، الأضواء، المراوح، الأثاث، وحتى الحافلات التي كانت تقل الطلاب، والتي صادف وجودها في ساحة المدرسة يوم اندلاع الحرب، وهو يوم عطلة السبت.
ورغم أن المباني لم تتعرض لقصف مباشر، إلا أن عمليات النهب والسرقة طالت كل شيء، ولم يتبقَ سوى الأبواب والنوافذ، كما وصف الدكتور أحمد ربيع دهب، بحسرة وألم.
انطلاقة جديدة من تحت الركام
وعن عودة الحياة الشعبية يقول د.احمد :« في يونيو 2025، بدأت رحلة الإحياء بثلاثة محاور رئيسية: صيانة الكهرباء، السباكة، وتجهيز البنية التحتية الأساسية. وحرصاً على استغلال الموارد المحدودة، تم اتخاذ قرار بدمج الأنشطة التعليمية في مبنى البنين فقط، وبدأت أعمال الصيانة في الطابق الأرضي.
وبفضل تضافر جهود وتكاتف الأسرة في تنفيذ الوصية انفقنا كل مدخراتنا بما في ذلك بيع السيارة الوحيدة التي خرجنا بها أثناء الحرب، لتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار.
وبالفعل تم شراء الأساسيات من طاولات وكراسي، كما تم تركيب منظومة طاقة شمسية لتوفير الحد الأدنى من الكهرباء، بعد أن تم حرق وسرقة جميع المولدات الكهربائية.
بداية متواضعة… ولكنها واعدة
ويواصل د. احمد حديثه قائلاً ، مع إعلان وزارة التربية والتعليم عن استئناف الدراسة، تمكنت المدرسة من افتتاح أبوابها مجدداً، وبدأ العام الدراسي بعدد سبعة طلاب فقط من البنين والبنات. ورغم تواضع العدد، إلا أن هذه الخطوة كانت بمثابة انتصار حقيقي على اليأس، ورسالة أمل بأن الذهبية ستعود أقوى مما كانت.
و أكد أن وقوف الأسرة والمعلمين والعاملين القدامى إلى جانب المدرسة كان له الأثر الأكبر في تجاوز المحنة، مشيرًا إلى أن الجميع قدموا تضحيات جسام.
تحديات قائمة وآمال متجددة
رغم التقدم الملحوظ، لا تزال المدرسة تواجه تحديات كبيرة، أبرزها انقطاع المياه والكهرباء، حيث أشار الدكتور أحمد إلى أن الكهرباء وصلت إلى مربع 19 بجبرة، بينما لا تزال المدرسة الواقعة في مربع 1 تعاني من الانقطاع، مؤكداً أن الطاقة الشمسية لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً.
شكر وتقدير
توجه الدكتور أحمد بالشكر الجزيل لوزارة التربية والتعليم، التي قدمت كافة المساعدات واخص بالشكر إدارة التعليم الخاص بقيادة الأستاذ كمال خيري، على دعمهم المتواصل ووقفتهم المشرفة مع المدارس الخاصة التي بدأت تعود من جديد بعد الحرب، و دعمهم أيضا النازحين من الفاشر. وختم حديثه مترحماً على شهداء المدرسة الذهبية من المعلمين والعاملين والطلاب الذين افتقدتهم المدرسة اثناء الحرب والنزوح.
قصة صمود وإصرار
بكل تاكيد عودة مدرسة الذهبية ليست مجرد إعادة فتح أبواب مدرسة، بل هي قصة صمود وإصرار على مواصلة رسالة التعليم رغم كل التحديات. إنها شهادة حية على أن الإرادة الصلبة والوفاء للوصية يمكن أن يبعثا الحياة في أكثر الأماكن تضررا، لتظل الذهبية شامخة كما أرادها مؤسسها، منارة للعلم في قلب السودان.




