
صرير القلم : د. معاوية عبيد
ليس ليهو…
كثيرة هي الأمثال الشعبية والقصص والطرائف السودانية التي تختزل واقعاً معاشاً وتعبّر عن أحوال الناس بمرارةٍ لا تخلو من سخرية ولعل من أصدق ما يُقال في هذا الباب إن الحاجة أم الاختراع فحين تضيق الأحوال بالناس يبتكرون من الحيل ما يعينهم على مواجهة الحياة وتتحول بعض تلك الحيل مع مرور الأيام إلى أمثال وحكم تتناقلها الألسن وتمشي بها الركبان، تُحكى طرفة سودانية عن صاحب دكان صغير في أحد الأحياء كان لا يعرف القراءة والكتابة وكان يستعين بابنه في تسجيل الديون على الزبائن وكلما جاء أحدهم واشترى بضاعة بالأجل صاح الأب في ابنه مستفسراً : ( يا ولد قيدت ليهو؟ فيجيبه الابن : نعم ، فيرد الأب وكأنه يوصيه بزيادة الحساب ( ليس ليهو ) أي ضاعف له المبلغ أو ( دبّل ليهو ) بلغة أيامنا هذه .
كانت الحكاية يومها مجرد طرفة تثير الضحك لكنها اليوم تبدو وكأنها تحكي واقعاً يعيشه المواطن السوداني وإن اختلفت الأماكن وتبدلت الوجوه فقد صار المواطن يسمع أرقاماً تتضاعف أمامه ورسومًا تتوالد من رحم رسوم أخرى حتى بات عاجزاً عن معرفة حقيقة ما يدفعه وما الذي ينتظره عند المحطة التالية .
نحن نعيش ظروفاً استثنائية بالغة القسوة ألقت بظلالها على كل مناحي الحياة ولم يكن التعليم الحكومي بمنأى عن آثارها فقد واجهت المدارس الحكومية تحديات جسيمة وأصبح استمرار العملية التعليمية في كثير من المواقع معركة يومية يخوضها معلمون متمسكون برسالتهم وأسر تكابد من أجل ألا ينقطع أبناؤها عن مقاعد الدراسة .
وفي ظل هذا الواقع اتجه كثير من الأسر إلى التعليم الخاص بحثاً عن الاستقرار الدراسي وهرباً من تعثر التعليم الحكومي وغادر بعض المعلمين المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة بينما بقي آخرون قابضين على جمر الرسالة مؤمنين بأن التعليم أمانة وطنية وأخلاقية وأن المعلم الذي يصنع العقول إنما يسهم في صناعة مستقبل البلاد
ولا أحد ينكر أن المدارس الخاصة تتحمل نفقات تشغيلية وتدفع رواتب للعاملين فيها وتحتاج إلى موارد تضمن استمرارها وتطوير خدماتها لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الرسالة التعليمية إلى سوق مفتوحة وتصبح المنافسة على جيوب أولياء الأمور أشد من المنافسة على جودة التعليم ومخرجاته ، لقد أصبح التعليم الخاص في بعض جوانبه أشبه بسلعة تُعرض في واجهات براقة وتُسوّق لها الإعلانات والدعايات وكأننا أمام شركات اتصالات تتنافس على جذب المشتركين لا مؤسسات تربوية يفترض أن يكون همها الأول بناء الإنسان
وتجد بعض الأسر نفسها أمام مدارس تتباهى بالمباني الأنيقة والزي المدرسي المميز والأنشطة المصاحبة والإعلانات التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي بينما يظل السؤال الجوهري معلقاً ، ما الذي سيحصل عليه أبناؤنا من تعليم حقيقي يتناسب مع هذه الكلفة الباهظة؟
وهنا تبرز ظاهرة أخرى لا تخلو من المفارقة فبعض الأسر لا تبحث عن جودة التعليم وحدها وإنما عن المظهر الاجتماعي الذي تمنحه المدرسة لأبنائها وعن وجاهة الاسم وشهرة المؤسسة وقد يدفع بعض أولياء الأمور أبناءهم إلى مدارس باهظة الرسوم طلباً للتميز الاجتماعي أو مجاراة الآخرين حتى إن ضاقت بهم سبل المعيشة، أما الأب الذي لا يبحث إلا عن تعليم جيد لابنه فقد أصبح مقطع الأوصال يحسب دخله المحدود ويقلب مصروفاته بين يديه ثم يقف أمام فاتورة المدرسة وكأنه أمام امتحان لا يعرف كيف ينجح فيه .
راتب لا يكاد يكفي ضروريات الحياة وإيجار يلتهم جزءاً كبيراً منه وأسعار تتصاعد كل يوم ثم تأتي الرسوم الدراسية لتضيف عبئاً جديداً إلى أعباء الأسرة السودانية التي أنهكتها الحرب وأثقلتها تكاليف المعيشة ،لكن الحكاية لا تقف عند الرسوم الدراسية المعلنة فهناك رسوم التسجيل ورسوم فتح الملف ورسوم الأنشطة ورسوم الزي وأحياناً رسوم أخرى تتكشف تباعاً حتى يشعر ولي الأمر بأنه دخل إلى متجر لا يعرف جميع أسعاره قبل أن يشتري .
وهنا تعود بنا الذاكرة إلى صاحب الدكان في حكايتنا الأولى ونكاد نسمع صوته من جديد : (ليس ليهو)
فقد تجد حين يذهب ولي الأمر لتسجيل ابنه يفاجأ بأن رسوم التسجيل وحدها تساوي مبلغاً كبيراً وربما تجاوزت في بعض الحالات قيمة القسط الدراسي نفسه وقد يكتشف الأب أن هناك قائمة أخرى من الالتزامات لم تكن حاضرة في ذهنه ، فالرسوم الداسية ثابتة لكن رسوم التسجيل تتكاثر ، ليس اعتراضنا هنا على حق المدارس الخاصة أو الجامعات في تحصيل رسوم عادلة تتناسب مع خدماتها وتكاليفها وإنما على المبالغة التي تجعل التعليم الجيد امتيازاً لا يقدر عليه إلا أصحاب الدخول المرتفعة ، فالتعليم ليس سلعة عادية يمكن الاستغناء عنها متى ارتفع سعرها وليس رفاهية يختارها الأبناء حين تسمح الظروف، إنه حق أساسي وركيزة من ركائز نهضة المجتمعات وأحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقدمها الدولة والأسرة لمستقبل الأجيال ، وإذا كان التعليم الحكومي يعاني من أزمات تستدعي المعالجة العاجلة، فإن الحل لا ينبغي أن يكون ترك الأسر وحدها في مواجهة سوق تعليمية ترتفع تكاليفها بلا ضوابط كافية، بل المطلوب أن تتضافر جهود الدولة والجهات المختصة وأصحاب المدارس الخاصة من أجل وضع سياسات واضحة للرسوم وإلزام المؤسسات بالإعلان المسبق عن التكلفة الكاملة ومراجعة الزيادات والتأكد من تناسبها مع الخدمات المقدمة .
كما أن من الضروري التمييز بين المدارس التي تستثمر في جودة التعليم وتطوير المعلمين والبيئة المدرسية وتلك التي تستثمر في المظاهر والإعلانات أكثر مما تستثمر في العقول.
فليس من العدالة أن يُحرم طفل من فرصة تعليم جيدة لأن والده لا يستطيع دفع رسوم التسجيل وليس من المقبول أن تتحول الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد إلى مبرر لإضافة أعباء جديدة على أسر أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل،
إننا بحاجة إلى تعليم خاص يدرك أن الربح المشروع لا يتعارض مع الرسالة التربوية وأن الاستثمار في الإنسان يختلف عن الاستثمار في السلع وأن المدرسة أو الجامعة التي تفتح أبوابها لأبناء المجتمع إنما تشارك في تشكيل مستقبله .
إن إصلاح التعليم الحكومي يظل ضرورة لا تحتمل التأجيل حتى لا تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى دفع ما يفوق طاقتها لمجرد ضمان استمرار أبنائها في الدراسة، فكلما استعاد التعليم الحكومي عافيته أصبحت أمام المواطنين خيارات أوسع وتراجعت الضغوط التي تدفعهم إلى قبول رسوم لا تتناسب مع دخولهم ، فالمواطن السوداني لم يعد يحتمل أن يسمع في كل مرفق عبارة جديدة تشبه تلك الحكاية القديمة : (ليس ليهو ) لقد أرهقته الحياة وضاقت به سبل العيش وأصبح يبحث عن بارقة أمل في تعليم أبنائه لا عن فاتورة جديدة تستنزف ما تبقى من دخله .



