
تمضى سنوات عمر الإنسان سريعا دون أن يشعر الناس بها فهى تسلمك الى الموت وهو سبيل الأولين والآخرين ، ولامفر منه مصداقا لقول الله تعالى : (قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم) وهناك جزء من العمر يقضية الإنسان عاملا فى المؤسسات العامة أو الخاصة لكنه يمضى بك إلى (نهاية الخدمة) أو (المعاش) كما يتعارف عليه أغلب الناس فعند بلوغ العامل المعاش يخاطب رسميا من الجهة المشغلة بأنك قد بلغت سن المعاش، ويتوقف راتبك نهائيا ، وتشكر على خدماتك التى أديتها ، وتوجه جهات الإختصاص بمتابعة ملفك وتسليمه للمعاشات لإكمال إجراءات معاشك ، هكذا تغادر مؤسستك التى أمضيت أجمل سنوات عمرك تحضر إليها باكرا وأنت فى قمة شبابك ونشاطك تعمل فيها بدوام يومى يستمر لمدة ٨ ساعات وتخرج منها منهلكا متعبا يوميا الى منزلك ، وفجأة يداهمك المعاش لتخرج منها وأنت تقول لها وداعا ويصتف الزملاء لوداعك وتجرى من عيونهم دموع الحزن لفراق زميل أو زميله ،كان بالأمس يجالسهم فى المكتب أو فى الترحيل أو القاعة ويأكل ويشرب معهم ، يقابلهم صباحا ويودعهم مساءا ، يصرف راتبه وحافزه الشهرى معهم من خزنه واحده ، يسبقهم ويسبقونه فى الترقية كل حسب تأريخ تعيينه ومؤهلاته العلمية ، يشاركهم دورات التدريب داخليا وخارجيا إن وجدت .
وسنوات العمل فى أى مؤسسة من المؤسسات لها بريقها الذى لايخبوء بطولها أو قصرها ، فهى بالتأكيد سنوات لايمكن نسيانها بسهولة ،فكم من المعاشيين لايزالون يحتفظون بعلاقات وطيدة مع زملائهم ومؤسساتهم التى غادروها منذ أمد بعيد ، والمعاش فرصة أخرى ليرى الإنسان الجانب المشرق فى حياة مابعد المعاش ، فالسنوات التى أمضاها المعاشى فى الخدمة تحقق له رصيدا وافرا من الخبرات والتجارب قل أن يجدها فى مكان غير مكان عمله ، والمعارف والعلاقات التى يكتسبها تعتبر مكسبا حيويا يعينه فى أن يستفيد منها إن ولج سوق العمل الحر وبدأ فى عمل يعينه على نوائب الدهر ، فهاهى الحياة قد تغيرت وأصبح من كان ملتزما بدوام يومى كامل وراتب شهرى وترقية وملف ، فاليوم يصبح دون دوام ودون راتب ولاترقية ولاملف ، ولاهو رئيس ولامرؤس ، فأنت من تعطى نفسك التوجيهات وتقوم بتنفيذها كيفما تريد ، فهى حياتك الجديدة التى يمكن أن تعطيها من عطائك ومخزونك المعرفى الذى إكتسبته خلال سنوات عملك الطويلة .
وحكاية من حلتنا مرت بتجارب كثيرة لزملاء كتب الله تعالى لهم أن يغادروا مؤسساتهم نزولا الى المعاش ، غير أن حرب الخامس عشر من أبريل من العام الماضى أحدثت تغيرات لم نشهدها من قبل ، فبعض المعاشيين إبلغوا بنهاية خدمتهم عن العمل ، وهم بعيدون من مؤسساتهم التى أمضوا فيها تلك السنوات الطويلة ، فرغما عن أن خطاب المعاش ذو وقع صعب على العامل إلا أنه يتلقاه بصدر رحب عندما يكون وسط زملائه فى داخل مؤسسته ، فهو يستمد منهم الثقة فى نفسه لمواجهة المعاش ، ويقومون بالإحتفاء به وتقديم بعض الهدايا والشهادات التقديرية والوشاحات التى تبرز جانبا إجتماعيا وتكافليا مهما بين الزملاء ، ولها الأثر الإيجابى والنفسى الذى يساعد فى تخطى الصعاب والتأقلم على الواقع الجديد ، لذا نقول للمعاشيين الذين كتب الله تعالى لهم مغادرة مواقعهم فى المؤسسات العامة والخاصة أن الطريق طويل أمامكم ، وليس المعاش نهاية الحياة بل بداية أخرى لمشروع شخصى سيكتمل إن أحسنا إستغلال الفرص التى تتزاحم حول كل واحد منكم ، وقد أمضيتم معنا سنوات طويلة مليئة بالعمل والجهد والنشاط وها أنتم بعيدون عنا بأجسادكم ولكن قلوبنا معكم وللمعاشيين التحية.