ملتقى المراكز القومية بـ “مدني” يطلق رؤية 2026 و الصحة تطلق شعار “خدمة مجانية لمن يستحقها” وتحدد 20 مليون دولار شهرياً لتغطية العلاج التخصصي.

ود مدني:
ناقش ملتقى المراكز القومية التخصصية السنوي لعام 2025م، المنعقد بمدينة ود مدني، ورقة عمل مفصلية حول “الخدمات التخصصية على نفقة الدولة: الرؤية، التحديات، والحلول”، رئيس الجلسة دكتور حيدر محمد عبدالنبي مدير الإدارة العامة للطب العلاجي ووزير الصحة بولاية الجزيرة دكتور أسامة عبدالرحمن مقررا، قدمها الدكتور نجم الدين المجذوب، مدير إدارة الصيدلة والعلاج على نفقة الدولة. وسلطت الورقة الضوء على المسارات الجديدة لتطوير المنظومة الصحية بحلول عام 2026م تحت شعار “خدمة مجانية لمن يستحقها”.
رؤية 2026: ضبط المسارات والتمويل
أكد الدكتور نجم الدين المجذوب أن السياسة الوطنية القادمة تهدف إلى توفير رعاية صحية مجانية وفق معايير طبية واجتماعية دقيقة، مع ضرورة التمييز الواضح بين ثلاثة مسارات علاجية لضمان العدالة:
المسار المجاني: المخصص للمستحقين فعلياً وفق ضوابط صارمة.
المسار الاقتصادي: والذي يُقدم برسوم رمزية.
المسار التأميني: المندمج تحت مظلة التأمين الصحي كركيزة أساسية لتمويل الخدمات وتقريبها من المواطن.
وكشف المجذوب عن حجم الإنفاق الحكومي الحالي، حيث يستفيد حوالي 781 ألف مواطن من خدمات العلاج المجاني بتكلفة شهرية تصل إلى 20 مليون دولار (ما يعادل 31 مليار جنيه سوداني)، مشدداً على أن الرؤية المستقبلية تتطلب تخصيص مبالغ مالية واضحة ومستدامة من وزارة المالية.
13 خدمة مجانية وتوسيع الشراكات.
أوضح مدير إدارة العلاج المجاني أن البرنامج يوفر حالياً 13 خدمة علاجية تخصصية رئيسية، إلا أن استمراريتها وجودتها تتطلبان توسيع قاعدة الشراكات مع جهات خارج الإطار الحكومي لتغطية التكاليف التشغيلية المتزايدة للمستلزمات الطبية والتدخلات الفنية الدقيقة. كما أشار إلى أن الخبراء والأساتذة بالمراكز القومية سيكون لهم الدور المحوري في التخطيط والإشراف المباشر على تنفيذ هذه الخدمات بالتعاون مع الولايات.
استراتيجية التمويل والقطاع الخاص
من جانبه، دعا الدكتور أسامة عبد الرحمن، مدير عام وزارة الصحة بولاية الجزيرة، في تعقيبه على الورقة، إلى ضرورة مواجهة الوضع الاقتصادي الصعب باستحداث مصادر تمويل مبتكرة. وطرح الدكتور أسامة عدة مقترحات شملت:
إنشاء جمعيات داعمة: لجمع التمويل الشعبي والمجتمعي لدعم المستشفيات المتخصصة والمرضى.
دعم المؤسسات الحكومية:
بدلاً من شراء الخدمة بأسعار باهظة من القطاع الخاص، مع توجيه القادرين مالياً للعلاج في المستشفيات الخاصة لتخفيف الضغط على المواعين الحكومية.
استبقاء الكوادر: توجيه الدعم المالي لتوفير حوافز تضمن بقاء الكوادر الصحية المتميزة داخل المراكز الحكومية.
وفي ذات السياق شهد ملتقى المراكز القومية التخصصي السنوي لعام 2025م، برعاية وزير الصحة الاتحادي، جلسة عاصفة ناقشت ورقة عمل بعنوان “علاج الأورام بين المخطط والواقع: الميقات والحلول”، قدمها مدير المركز القومي لعلاج الأورام،رئيس الجلسة دكتور علي آدم وزير الصحة بولاية كسلا، ومدير عام الوكالة القومية للرعاية الطارئة والإسعاف دكتور محي الدين حسن مقررات، قدمها البروفيسور دفع الله أبو إدريس. وسلطت الورقة الضوء على التحديات الجسيمة التي تواجه مرضى السرطان في ظل الظروف الراهنة، مع وضع خارطة طريق لإنقاذ الموقف.
تحديات الحرب وهجرة العقول.
كشف البروفيسور دفع الله أبو إدريس أن الحرب التي شنتها المليشيات ساهمت في زيادة حادة في معدلات قوائم الانتظار، مع تدهور ملحوظ في جودة بدائل العلاج الكيماوي نتيجة تضرر البنية التحتية في الخرطوم ومدني. وحذر أبو إدريس من “نزيف الكوادر” المتخصصة في مجالات جراحة الأورام، الطب النووي، والفيزياء الطبية، مؤكداً أن ضعف الأجور يشكل عائقاً أساسياً أمام استبقاء الخبرات الوطنية، مما يتطلب تدخلات عاجلة لتحسين الأوضاع المالية والتمويلية.
غياب الإشعاعي.. “شلل للمنظومة”
وفي تشخيص دقيق للأزمة، شدد مدير مركز الأورام على أن غياب العلاج الإشعاعي حالياً يزيد من نسب الوفيات، خاصة في سرطانات الرحم والثدي، محذراً من أن توقف هذه الخدمة يؤدي إلى تدهور سريع وحالات شلل للمرضى. وأشار إلى تعثر مشروع إنشاء مركز إشعاعي بمدني -رغم التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية- بسبب غياب التنسيق وتداخل الصلاحيات، داعياً الدولة لاعتبار استعادة خدمات الإشعاعي “ملف طوارئ وطنية”.
خطة التوسع: مركز لكل ولاية
أوضح أبو إدريس أن الدولة تلتزم بدعم تكلفة العلاج الكيماوي عبر (14) مركزاً قائماً، كاشفاً عن خطة طموحة لرفع عدد المراكز إلى (21) مركزاً، بواقع مركز في عاصمة كل ولاية، بالإضافة إلى إنشاء مراكز إشعاعية إقليمية تغطي أقاليم دارفور، كردفان، الشرق، والنيل الأزرق، فضلاً عن إنشاء مركز رديف لمركز “الذرة” بالخرطوم لتقليل الضغط.
القطاع الخاص والتمويل المبتكر
اقترح مدير المركز القومي استحداث مصادر تمويل خارج الصندوق الحكومي، من خلال إنشاء جمعيات داعمة لجمع التبرعات للمستشفيات المتخصصة. كما دعا إلى تغيير فلسفة التعامل مع القطاع الخاص، بحيث يتم دعم المؤسسات الحكومية بدلاً من شراء الخدمة بأسعار باهظة من القطاع الخاص، مع تشجيع المرضى ذوي القدرة المالية على التوجه للمراكز الخاصة لتخفيف العبء عن كاهل الدولة.
رؤية الوكالة القومية للرعاية الطارئة
من جانبه، أكد الدكتور محي الدين حسن، مدير الوكالة القومية للرعاية الطارئة والإسعاف القومي، أن التحديات الراهنة قلصت قدرات التصوير والتشخيص المبكر. وشدد على ضرورة صياغة تشريعات ملزمة لحماية المواطنين من مسببات الأورام، داعياً لتوقيع اتفاقيات دولية تضمن الوصول العادل للرعاية المتكاملة ووضع آليات دقيقة لقياس أثر التدخلات الصحية في الفترة القادمة.
أبرز التوصيات الختامية للملتقى:
ملف الطوارئ: اعتبار استعادة العلاج الإشعاعي أولوية قصوى في التمويل بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الانتشار الجغرافي: إنشاء مراكز علاج كيميائي في كل الولايات، ومراكز إشعاعية في بورتسودان ودارفور والنيل الأزرق وكردفان.
التخصص الدقيق: إنشاء مركز قومي متخصص لعلاج سرطان الأطفال وتطوير مراكز زراعة النخاع لتقليل فاتورة العلاج بالخارج.
الاستدامة: استبقاء الكوادر الصحية بتوفير حوافز مجزية وتكوين شراكات لتمويل المستلزمات الشهرية لـ (13) خدمة علاجية مجانية كبرى.
وناقش ملتقى المراكز القومية التخصصية السنوي لعام 2025م، في إحدى جلساته المحورية، ورقة عمل بعنوان “المركز القومي للعيون بين أهداف التأسيس ومتغيرات الواقع”، قدمها الدكتور عاطف (مدير المركز القومي للعيون)، وترأس الجلسة الدكتور عصام حسن، فيما قدم التعقيب عليها الدكتور مدثر آدم أحمد، وزير الصحة المكلف بولاية وسط دارفور.
كشف الدكتور عاطف خلال عرضه للورقة عن وضع مأساوي للتمويل، مشيراً إلى أن المركز لم يتلقَّ أي ميزانيات تسييرية منذ مايو 2022م، مما اضطر الإدارة للاعتماد على الموارد الذاتية المحدودة والمدخرات السابقة لضمان استمرار الخدمة.
وأشاد د. عاطف بالروح الوطنية العالية لأخصائيي العيون، مؤكداً أنهم يعملون “مجاناً” وبشكل طوعي تماماً، رافضين استلام أي مقابل مادي دعماً منهم للمركز وللمرضى في هذه الظروف الاستثنائية. وأوضح أن العمليات الجراحية والخدمات الطبية تستمر بفضل دعم المنظمات الخيرية والتنسيق مع التأمين الصحي، مما مكن المركز من تقديم الجراحات مجاناً للمواطنين.
شدد الدكتور عاطف في ورقته على ضرورة استعادة المركز القومي للعيون لدوره القيادي تحت مظلة وزارة الصحة الاتحادية، مع التركيز على تقوية الرعاية الصحية الأولية. وأشار إلى أن الرعاية الأولية هي حجر الزاوية في طب العيون، حيث يمكن من خلالها إجراء عمليات هامة وتقديم خدمات أساسية حتى في المستشفيات العامة، مما يخفف الضغط على المراكز التخصصية الكبرى.
من جانبه، أكد الدكتور مدثر آدم أحمد (وزير صحة وسط دارفور) في تعقيبه، على أهمية عدالة توزيع خدمات العيون لتشمل الولايات المتأثرة والبعيدة، مشيداً بنموذج “العمل الطوعي” الذي ينتهجه أخصائيو العيون، وداعياً إلى ضرورة إيجاد حلول جذرية لتمويل المراكز القومية لضمان استدامة هذه “الخدمات الجليلة




