دكتور عبدالله بشري نبق يكتب : صقور الجديان في ديار تميم المجد (4–6)
حين يغيب التخطيط… من يقود صقور الجديان؟
نواصل ما انقطع من الحلقات السابقة، والتي تطرّقنا في خواتيمها إلى قدامى اللاعبين ودورهم الكبير وحضورهم الإيجابي في دعم صقور الجديان إبان مشاركتهم في البطولة العربية. واليوم، أفتح ملفًا بالغ الأهمية وحساسًا في ذات الوقت، ألا وهو الاتحاد العام لكرة القدم السوداني، وما يدور في أروقته من ممارسات تثير العديد من علامات الاستفهام.
لم تكن مشاركة منتخبنا الوطني في البطولة العربية مجرد حدث رياضي عابر، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على الإدارة، والتخطيط، وصناعة النجاح خارج المستطيل الأخضر.
لعل أول ما يتبادر إلى الأذهان ما حدث منذ أول اتصال لنا بالدكتور معتصم جعفر، رئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم، والذي أكد فيه أن بعثة المنتخب ستصل إلى الدوحة يوم 17 نوفمبر 2025. وبناءً على ذلك تم التنسيق والترتيب، لنُفاجأ لاحقًا بتغيير الموعد إلى يوم 20 نوفمبر، ثم إلى موعد ثالث، حتى حضرت البعثة فعليًا في يوم مختلف تمامًا. وهو ما يعكس – بوضوح – غياب التخطيط المسبق، لا سيما فيما يتعلق ببرنامج وصول البعثة أو مغادرتها لمعسكرها الإعدادي في سلطنة عُمان، حيث خاض المنتخب مباراتين أمام المنتخب العُماني الأول والمنتخب الأولمبي.
وصلت البعثة إلى الدوحة على ثلاث دفعات: الأولى صباحًا، والثانية في تمام الساعة السادسة مساءً، والثالثة في وقت متأخر من ذات اليوم، وهو تحدٍ لوجستي كبير واجه المنتخب. وقد تم التنسيق على أن يكون الاستقبال الرسمي للبعثة القادمة من سلطنة عُمان في الساعة السادسة مساءً، وبالفعل كان الحضور على أعلى مستوى، حيث كان في مقدمة المستقبلين سعادة سفير السودان لدى دولة قطر، ورئيس اللجنة العليا للاستقبال المنتخب، وعدد مقدر من أبناء الجالية السودانية.
غير أن المفاجأة التي أثارت كثيرًا من التساؤلات تمثلت في غياب رئيس البعثة عن استقبالها في المطار، رغم تواجده المسبق في الدوحة، الأمر الذي أحدث لغطًا واسعًا في حينه، قبل أن يتوارى الحديث عنه مؤقتًا عقب بروز أزمة الحوافز قبيل مباراة لبنان.
وبعد ملحمة بطولية خالدة أمام المنتخب اللبناني، تأهل منتخبنا الوطني إلى نهائيات البطولة العربية، في مباراة جسّد فيها صقور الجديان لوحة ناصعة من الرجولة والإصرار، رغم النقص العددي والتأخر بهدف مبكر، وسط حضور جماهيري سوداني مهيب ملأ مدرجات استاد الغرافة عن آخرها، شيبًا وشبابًا، رجالًا ونساءً. وهو تأهل ضمن للاتحاد السوداني لكرة القدم مبلغ 600 ألف دولار.
عقب ذلك، حضر إلى الدوحة السيد رئيس الاتحاد السوداني لكرة القدم، وتفاءل الجميع بأن تكون الزيارة بهدف رفع الروح المعنوية، والوقوف مع اللاعبين، وحل الإشكالات العالقة، لا سيما في ظل الدعم السخي والحافز الدولاري الكبير المقدم من السيد رئيس مجلس السيادة. إلا أن الصدمة تمثلت في أن الزيارات – إن وُجدت – جاءت خجولة، ولم تُحسم أي من المشكلات القائمة، بل ولم يتكرم رئيس الاتحاد بحضور أي مباراة للمنتخب من داخل الملعب، وهو رئيسهم وقائدهم الأول. ولم نشهد له أي ظهور مباشر مع اللاعبين، كتناول وجبة عشاء معهم، على غرار الصور التي شاهدناها له لاحقًا من المغرب خلال بطولة الأمم الإفريقية.
والأدهى من ذلك، حضور نائب رئيس الاتحاد، السيد أسامة عطا المنان، إلى الدوحة للمشاركة في اجتماعات، دون أن يظهر – بحسب علمنا – أي تواصل أو زيارة لبعثة المنتخب. وهنا تبرز تساؤلات مشروعة:
* هل زار بعثة المنتخب بمقر إقامتها في الدوحة؟
* وهل اجتماعات اللجان أهم من منتخب الوطن، وهو على بُعد دقائق؟
ثم تتوالى الأسئلة التي لا تجد إجابة:
* هل ما يُتداول في وسائل التواصل الاجتماعي عن وجود خلافات داخل الاتحاد العام صحيح؟
* وهل كان سقف الطموح الإداري يقتصر على التأهل فقط، والظفر بمبلغ الـ600 ألف دولار؟
في تقديري، لن نجد إجابات صريحة لهذه الأسئلة، لأن أي رد رسمي غالبًا ما سيُصنّف هذه الوقائع على أنها “شائعات مغرضة”. غير أن الحقيقة المؤلمة أننا اعتدنا عدم مواجهة خلافاتنا بشفافية، وتركناها تتحدث عنا، في عالم بات قرية صغيرة يراقب فيه الجميع كل شيء.
ما حدث لاحقًا لا يبدد هذه المخاوف؛ إذ أُقيم معسكر تحضيري بدولة قطر بعد انتهاء المشاركة في نهائيات كأس العرب دون تخطيط مسبق، وصدرت قرارات لحظية، وتنقلات غير مدروسة، وكأن المنتخب يسير من محطة إلى أخرى بلا بوصلة واضحة. وفي ظل غياب الحوكمة، تصبح الأخطاء متكررة، وتتحول النجاحات التي يصنعها اللاعبون وجهازهم الفني إلى إنجازات مؤقتة بلا استدامة.
الخلافات في العمل العام ليست عيبًا، بل قد تكون صحية إن أُديرت بشفافية ومهنية. لكن الخطير هو تركها في الظل، لتنعكس سلبًا على الأداء، وتُفقد المؤسسات ثقة جمهورها. ففي عالم اليوم، لا شيء يبقى مخفيًا، وكل ما نحاول تجاهله يظهر جليًا في النتائج.
وتبقى التساؤلات الكبرى التي يجب أن نمتلك شجاعة طرحها:
هل نبالغ حين نطالب بالتخطيط؟
هل نُتهم بالجنون حين نطالب بحوكمة حقيقية في كل تفاصيل العمل الإداري؟
هل نحن حالمون حين نطمح إلى كرة سودانية يقودها الشباب، أصحاب الفكر والرؤية؟
ولماذا نظل أسرى لذات الوجوه منذ عقود، دون أن نرى منهم سوى الإخفاق؟
أعقرت حواء السودان – وهي الولود – عن إنجاب قيادات شابة تحمل فكرًا حديثًا ورؤية متجددة لإدارة كرة القدم؟
إن كرة القدم اليوم لم تعد تُدار بالعلاقات، ولا بالاجتهادات الفردية، ولا بحلول اللحظة الأخيرة، بل تُدار بمنهجيات واضحة، وهياكل مؤسسية، ورؤى استراتيجية طويلة المدى. والحوكمة لم تعد ترفًا إداريًا أو شعارًا يُرفع عند الأزمات، بل أصبحت ضرورة ملحّة لضمان الاستقرار، وحسن استثمار الموارد، وحماية الإنجازات.
ومن وجهة نظري، فقد آن الأوان لفتح الباب واسعًا أمام طاقات جديدة، وقيادات شابة تؤمن بأن خدمة كرة القدم شرف ومسؤولية، لا موقعًا دائمًا أو امتيازًا مكتسبًا. فـكرة القدم السودانية تستحق مشروعًا وطنيًا متكاملًا، تُحدد فيه الأدوار، وتُرسخ فيه مبادئ التخطيط والحوكمة والمساءلة، بعيدًا عن الشخصنة وتبادل الاتهامات.
فإما أن نمتلك شجاعة الإصلاح الآن، ونحن نملك لاعبًا، وجمهورًا، وحلمًا، أو نواصل الدوران في ذات الحلقة… نحتفل بالإنجاز المؤقت، ثم نبحث عن أعذار الإخفاق التالي.





