كتاب واراء
أخر الأخبار

مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك  mismawia@yahoo.com   المستهلك .. عين الإعمار الثالثة !

مهد الحروف

د. هيثم حسن عبد السلام

خبير شؤون المستهلك

mismawia@yahoo.com

 

المستهلك .. عين الإعمار الثالثة !

 

جاء في صدر الأخبار :(( التقى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، بمكتبه *بالخرطوم* ، الدكتور كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء. واستعرض اللقاء خطة حكومة الأمل ورؤيتها الاستراتيجية التي تهدف إلى تهيئة البيئة التحتية والخدمية اللازمة لضمان عودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم.

وأمن اللقاء على ضرورة تضافر الجهود الرسمية والشعبية لتنفيذ هذه الخطط على أرض الواقع، وتذليل كافة العقبات التي تعترض مسار التنمية والخدمات في المرحلة المقبلة)). انتهى الخبر.

 

أفرحني جدا هذا الخبر كما أفرح الكثيرين ، لأنه حين تعود الحكومة إلى الخرطوم، وتبدأ الحياة في التقاط أنفاسها الأولى بعد طول غياب، لا تكون إعادة الإعمار فعلاً هندسياً فقط، ولا مشروعاً إسمنتياً تُقاس نتائجه بعدد المنشآت والطرق، وإنجازات اللجان والمؤسسات ، أنما هي قبل ذلك عملية ترميم للثقة، وإعادة بناء للإنسان بوصفه حجر الزاوية في أي نهضة ممكنة أو بداية لوطن يتعافى.

 

وهنا لابد من تضافر الجهود الرسمية والشعبية ، و يبرز دور المستهلك، لا بوصفه متلقياً سلبياً لما يُعرض عليه ، إنما شريكاً أصيلاً في إعادة الإعمار ومشعلا للعطاء ومعولا للبناء . فالمستهلك الواعي هو أول من يكسر حاجز الخوف، حين يقرر العودة إلى بيته في أحياء الخرطوم وإلى السوق، وإلى الدكان ، وإلى الحياة اليومية بثبات ومسؤولية. وكسر الخوف لا يعني التهور، بل يعني اليقظة. أن نعيش بحذر واعٍ لا بشلل دائم.

في مرحلة ما بعد العودة، يصبح المستهلك -عيناً ثالثة- للدولة، يراقب ما يُعرض من سلع وخدمات، ويتحقق من الجودة، والصلاحية، والسعر العادل، ويبلّغ عن المخالفات، فلا يترك الساحة للغش أو الاستغلال أو الفوضى. هذا الدور الرقابي الشعبي لا ينتقص من هيبة الدولة، إنما يعززها، لأنه يقوم على التكامل لا التنازع.

وتزداد أهمية هذا الدور مع ارتفاع الحس الأمني بمفهومه الشامل، الأمن العسكري الذي يحمي الأمن والاستقرار ويكشف الخلايا النائمة التي تترصد بنا ، والأمن الشرطي الذي يضبط السلوك العام ويراقب الممارسات غير المشروعة ، والأمن الغذائي الذي يصون صحة الناس، والأمن المعلوماتي الذي يحمي العقول من التضليل.

في كل هذه المساحات، يقف المستهلك الواعي في خط الدفاع الأول، يرفض الشائعة، ويتحقق من المعلومة، ولا يكون أداة في يد من يسعون لهدم ما يُبنى.

إن أخطر ما يواجه مجتمعنا السوداني الخارج الآن من الأزمات ليس فقط الجريمة التقليدية، بل الجرائم الإلكترونية، وحملات الشائعات التي تهزم الطمأنينية وتثبط الهمم و تُربك السوق، وتضرب الثقة، وتزرع الخوف من جديد. هنا، يصبح وعي المستهلك سلاحاً ناعماً، لكنه بالغ التأثير؛ مشاركة غير مدروسة قد تهدم ما تعجز الأسلحة عن هدمه.

تبقى عملية إعادة إعمار الخرطوم والسودان ككل مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد المسؤول قبل المؤسسة، ومن السلوك اليومي قبل القرارات الكبرى. وحين يدرك المستهلك أن صوته بلاغ، وسلوكه رسالة، واختياره موقف، نكون قد وضعنا أول حجر للبناء ، حيث تُكتب الحكاية الجديدة لوطنٍ يتعافى، لا بالخوف، بل بالوعي. ويبقى الأمل بغد أفضل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى