تحقيقات وتقارير

الاعلامي الشامل محمد جمال الدين في حوار ما بين اصوات الرصاص و ركام الحرب وهجرة العقول

الحرب أطفأت الصحافة… لكنها أنارت شرارة جديدة للإعلام السوداني 
  غياب المؤسسات لا يعني غياب الكفاءات… الإعلام السوداني يملك العقول لكنه يفتقد التقدير 
 من لندن إلى الخرطوم… السودانيون أسسوا الإعلام العربي الحديث ثم هاجروا بحثاً عن الاعتراف 
 المصداقية والحياد… معركة الإعلام السوداني الأصعب وسط ركام الميليشيات والخراب 
رؤية ما بعد الحرب: إعلام يبني الثقة ويعيد المصالحة ويكشف ثروات السودان المخفية

حاوره بالدوحة : نادر عبدالله حلفاوي 

في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات أمام الصحافة السودانية، وتتشابك فيه الأسئلة حول دور الإعلام في ظل الحرب، أجرت أرتي ميديا وصحيفة المقرن حواراً خاصاً مع الإعلامي السوداني القدير محمد جمال الدين عثمان، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمة واضحة في مسيرة الإعلام السوداني، سواء عبر الصحافة المكتوبة أو الفضائية السودانية.

من مقر إقامته في الدوحة، فتح لنا جمال الدين أبواب تجربته الممتدة لسنوات، ليضع أمام القارئ صورة شاملة عن واقع الإعلام السوداني في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه.  

في هذا اللقاء، تناول الإعلامي الشامل جمال الدين انعكاسات الحرب على طبيعة عمل الصحفي السوداني، وما فرضته من قيود على الصحافة، وصعوبات في الوصول إلى المعلومات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالمصداقية والحياد في التغطية. 

ولم يغفل جمال الدين الحديث عن رؤيته لمستقبل الإعلام السوداني بعد الحرب، وما المطلوب لإعادة بنائه وتطويره ليواكب التحولات الإقليمية والدولية.

* أستاذ محمد جمال الدين، كيف انعكست الحرب الأخيرة على طبيعة عمل الصحفي السوداني بين الصحافة الورقية والتلفزيون؟

الحرب في الأصل ليست محببة، ودائماً ما تعطل كل مسارات التنمية والتقدم والنماء، وتهدم كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبالتأكيد كان تأثيرها واضحاً على الإعلام بكافة أشكاله: الصحافة المطبوعة والمقروءة وبالفعل تأثرت كل المؤسسات الإعلامية تأثرًا مباشرًا بهذه الحرب اللعينة التي لا تخدم أحداً، وأوقفت حركة الصحافة الورقية بصورة واضحة أمام المتلقي ، ومع ذلك، يمكن القول إنّه رغم هذه التحديات ظهرت بعض إشراقات.

 * ما أبرز التحديات التي واجهها الإعلام السوداني في تغطية الحرب، خاصة فيما يتعلق بالمصداقية والحياد؟  

أخي نادر، وأنت أحد الكوادر المميزة في مجال الصحافة، تعلم يقيناً أن الرسالة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية حين تصل إلى المتلقي السوداني — الذي يتمتع ببصيرة ورؤية — فإنه يفرق بين المصداقية وغير ذلك. لذلك كان أحد أبرز تحديات الإعلام السوداني خلال الحرب نقل المعلومات الميدانية والمصداقية في التغطية.

لو أخذنا نظرة مصغرة على الحرب، نرى أن الحروب التي تابعتها الشعوب تحترم قواعد حماية العاملين في المجال الإعلامي؛ فوجود السترة التي تحمل كلمة «صحافة» كان يمنح الصحفي أمانًا نسبيًا. لكن هل كانت حرب السودان تفهم هذه المعاني والمضامين؟ وكيف كانت ردود الفعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ كانت وسائل التواصل محدودة في قدرتها على توصيل رسالة إعلامية إلى المتلقي المحلي والإقليمي والدولي.

لم تكن هناك مصداقية أو حيادية كافية في نقل الأحداث، لأن الميليشيات، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كان تأثيرها على المتلقي واضحاً من خلال الموت والخراب والتشريد والانتهاكات. لذلك تأثرت كل الجوانب الإنسانية والاجتماعية للسودانيين، وللأسف لم تُنقل الأحداث بمصداقية كاملة او بتفاصيلها الميدانية .

لو كانت الحرب تُدار برؤية تحترم قواعد النزاع كما في حالات أخرى، لكان هناك احترام للإعلامي والطاقم الطبي وعربات الإسعاف، ولربما تمكن الإعلام من نقل الصورة الحقيقية من ميادين المعركة. لكن الإعلام السوداني واجه تحديات جسيمة، فلم يستطع نقل مجريات الحرب من الميادين كما ينبغي.

وكنت أعتقد أن هناك فرصة تاريخية للإعلام السوداني لينقل بواقعية وحيادية ومصداقية ما جرى طوال هذه الفترة، والآن ونحن ندخل عامها الثالث، يظل من الصعوبة بمكان نقل المعلومة كاملة للمتلقي الحصيف والمتابع الجيد للصعوبات التي تحدثت عنها.

 * كيف أثرت ظروف الحرب على حرية الصحافة وقدرة الصحفيين في الوصول إلى المعلومات؟

الآن بدأ عدد من الزملاء يرصدون أعداد الإعلاميين والصحفيين والمصورين الذين تأثروا بهذه الحرب، والذين كانوا في الميدان يحاولون نقل الحقيقة وتعرضوا للمخاطر، ومنهم من استشهد — رحمهم الله. ويجري حصر الأعداد، ويُقال إن العدد تجاوز 500 من العاملين في المجال الإعلامي الذين سعوا للوصول إلى ميادين الحرب. وأنت تعلم، أخي نادر، أن هذه المهنة هي مهنة البحث عن المتاعب؛ وكل إعلامي اختار هذا الطريق وهو يؤمن إيمانًا قاطعًا بضرورة الوصول إلى المعلومة ونقلها للمتلقي، رغم كل الصعوبات. الحرب لا تفرق؛ فتعرض الساعون للوصول للمعلومة للهلاك والموت، وكثيرون توقفوا عن الوصول، بينما تمكن آخرون من نقل وتحليل ما استطاعوا الوصول إليه.

 * هل استطاع الإعلام السوداني أن ينقل صورة الحرب للعالم بشكل كافٍ، أم ظل محصوراً في الإطار المحلي؟ 

وصلت صور الحرب إلى العالم بتفاصيلها، وأعتقد أن ذلك ليس قدحاً في الإعلام السوداني إطلاقًا. الظروف التي أملت وجود هذه الحرب اللعينة خلقت هذه الصورة الطبوغرافية للحرب. لو كانت هناك صورة واضحة ومتكاملة عن الحرب، لكان العالم بأطيافه الإقليمية والمحلية والدولية قد تعرّف على مكوناتها وأسبابها وأهدافها والاتجاه الذي تنتهي إليه. وطبعًا لا يخفى عليك ولا على الزملاء الإعلاميين اطلاعكم على بواطن الأمور.

العالم في حراك متسارع؛ كان هناك صراع سابق بين قطبين معروفين، كل منهما يسعى لجذب الآخر إلى معسكره، ثم انتهى ذلك المعسكر وبقينا في القرن الحادي والعشرين أمام قطب واحد. ظل الصراع والجذب متجهين نحو هذا القطب برؤيته وإمكاناته، ولذلك لم يتمكن الإعلام، رغم ما قدمه من معلومات متواضعة، من أن يترك صدى وتأثيراً لدى المتلقي الإقليمي أو العالمي بصورة علمية متكاملة تعمق فهم الحرب وتنقل صورها بشكل كافٍ.

محليًا، عبر تواصلنا أو عبر من كانوا قريبين من لحظات العنف، كانت الجهات التي تؤجج الحرب تنقل ما يخدم مصالحها، فكانت جزءًا من المعلومات التي تصل للعالم وتُحلل برؤية قد تُصدّق لكنها تخدم إطار القطب الأوحد الذي يدير هذا العالم ويسعى للتمكن.

 * هل تكمن مشكلة الإعلام السوداني في ضعف التدريب والتأهيل ام في غياب المؤسسات؟

ليست المشكلة في غياب المؤسسات الداعمة فحسب، بل في غياب مؤسسات إعلامية قائمة على أمر الإعلام بشكل صحيح.  أقول هذا من واقع تجربتي التي تمتد لأكثر من ربع قرن؛ عملت في التلفزيون السوداني لمدة 25 عامًا، وزرت أكثر من 90% من ولايات السودان ومدنه، حتى الجنوب الذي انفصل، واطلعت على إمكانيات هذا الوطن. أعتقد أن الإشكالية تكمن في المؤسسات القائمة على الإعلام عبر العصور، إذ لم تُعطِ الإعلامي موقعه الصحيح للاستفادة من إمكاناته.

نسبة كبيرة من الإعلاميين في كل التخصصات — صحافة مكتوبة، إذاعية أو تلفزيونية — يمتلكون موهبة تحتاج إلى صقل وتواصل مستمر عبر وسائل الإعلام كافة. 

لو أن مؤسساتنا اتبعت نماذج التدريب التي درسناها في مصر، لكان الوضع مختلفًا. خلال دراستي تدربت في مؤسسات كبرى مثل وكالة أنباء الشرق الأوسط،مع زميلي الاستاذ مصطفي يوسف رد الله غربته من لندن . وحصلت على فرص كبيرة بفضل أساتذة دعموني، وعلى رأسهم البروفيسور عوض إبراهيم عوض الذي ساهم في نقلي لمراحل دراسية متقدمة وانا مدين للبروفسير عوض ابراهيم وارجو ان لا اقصم ظهره وقد لا يرضى اذكر هذا الحديث عندما اتاح لي فرصة اكمال الدراسات العليا بجامعة إفريقيا العالميه ودرست عامين كاملين ماجستير في الاذاعه والتلفزيون.

واعود واقول المشكلة إذًا ليست في ضعف التدريب، بل كيفية إدارة المؤسسات الإعلامية وكيفية اكتشافها وإتاحة الفرص للمواهب القيادية. لو استثمرت المؤسسات في هذه العقول لما شهدنا هجرة المواهب المتميزة إلى الخارج منذ أيام أيوب صديق وما قبله وبعده. أمثال البروف إبراهيم عوض والبروف علي شمو وغيرهم يمتلكون إمكانات كبيرة، وكان من المؤلم أن نجدهم خارج الوطن.

الظروف المرتبطة بالحروب وتقلبات الأنظمة أثّرت كثيرًا في مسيرة الإعلام والكوادر. ستجد لدى كثير من هؤلاء العقول قدرًا كبيرًا من الحسرة والألم. رغم ذلك، ظل بعضهم منفتحًا وداعمًا للمواهب، لكننا كنا نتمنى أن تُمنح هذه العقول مواقع قيادية داخل الوطن لتستمر في نقل خبراتها للأجيال القادمة.

الإعلام السوداني لم يفقد عناصره القيادية؛ بل افتقدت المؤسسات من يقيم ويقدّر هذه الكفاءات. عندما لا يجد الإعلامي التقدير والفرصة في وطنه، يبحث عن الخارج لتأمين معيشته وإكمال رسالته. هذا ما حدث وما يزال يحدث.

 * ما الذي ينقص الإعلام السوداني ليكون منافساً على الصعيدين الإقليمي والدولي؟

في الواقع، لا ينقص الإعلام السوداني شيء من حيث الكفاءة. بل العكس، الإعلام السوداني والعقول السودانية التي ساهمت في تأسيس الإعلام العربي الحديث.

منذ الأربعينيات والخمسينيات، لمع إعلاميون سودانيون في إذاعة لندن والشرق الأوسط، امثال، الطيب صالح وايوب صديق، وأصبحوا أساتذة لأجيال كاملة من الإعلاميين في الخليج والعالم العربي ، المشكلة تكمن في الداخل، في غياب التقدير وضعف الإدارة. الإعلاميون الموهوبون لا يجدون الدعم داخل بلدهم، فيضطرون للهجرة بحثاً عن بيئة تحتضن قدراتهم.

نحن نملك الريادة والكفاءة، لكن نفتقد المؤسسة التي تُعيد لهذه القدرات مكانتها وتستثمر خبراتها في تطوير الإعلام الوطني، وهل تتخيل ان امثال البروف علي شمو والبروف عوض ابراهيم عوض و البروف صلاح الدين الفاضل والأستاذ كمال حامد والأستاذ عمر الجزلي وغيرهم من المبدعين ان يهجروا السودان مجبرين لينشروا عملهم على العالم ونحن نبحث عن من يقودنا .

 * ما هي رؤيتك لمستقبل الإعلام السوداني بعد الحرب، وما المطلوب لإعادة بنائه وتطويره؟ 

الحرب لم تضع أوزارها في قناعاتي الذاتية؛ تأثيرها الاجتماعي عميق، فقد كثيرون أسرهم ومؤسساتهم، وخلقت شرخًا كبيرًا في النسيج الاجتماعي. سيكون عبئًا كبيرًا على الإعلام ما بعد الحرب: كيف نعيد تأهيل المجتمع؟ كيف نرسل رسائل إيجابية واضحة؟ لا أقارن بحالات دول أخرى عاشت صراعات إثنية طويلة ثم تعافت، لكننا أمام تحدٍ كبير لإعادة بناء الثقة والمصالحة.

نحن نمتلك ثروة ثقافية وزراعية وحيوانية هائلة لم تُستثمر بعد. خلال عملي في برنامج “أرضنا الخضراء” زرت معظم ولايات السودان واطلعت على إمكانات كبيرة لم تُعرض بعد على العالم الإقليمي. 

رؤيتي لمستقبل الإعلام كبيرة: يجب وضع إمكانات الشعب السوداني في قوالب صحيحة وخلق مصالحة اجتماعية قوية تقود إلى وطن قادر على استثمار ثرواته وتحقيق نهضة حقيقية. نواصل .. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى