مجرد ملاحظة ..نادر حلفاوي : مبادرة الكاردينال .. نبذ للكراهية أم تعميق التهميش وإقصاء لمكون أصيل؟
مجرد ملاحظة ..نادر عبدالله حلفاوي

تشهد الساحة السياسية والاجتماعية والأمنية في شرق السودان، وتحديداً في ولاية كسلا، حالة من الغليان والتوتر المتصاعد وسط مؤشرات تنذر بانفجار وشيك في أي لحظة. فخطاب الكراهية بات يتغلغل في مفاصل الخطاب العام، متسللا من المنابر المفتوحة إلى قلوب المواطنين، التي أنهكها التهميش وغياب التنمية، لا سيما في قطاعات التعليم والصحة، في ظل تفشي الفساد دون مساءلة أو محاسبة.
ورغم أن هذه الأزمات ليست جديدة على شرق السودان، إلا أن حدتها في الآونة الأخيرة دفعت كثيرين إلى دق ناقوس الخطر، محذرين من تداعياتها على السلم المجتمعي والتماسك الوطني.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت مبادرة رجل الأعمال المعروف والرياضي أشرف سيد احمد الكاردينال، الذي أطلق دعوة لنبذ خطاب الكراهية وجمع مكونات ولاية كسلا على طاولة الحوار.
الكاردينال، الذي لا اعرف إن كان لا يزال في كسلا أم عاد إلى مقره في بورتسودان، التقى بعدد من القيادات المجتمعية والقبلية في الولاية، في محاولة لرأب الصدع وتهدئة الأجواء. غير أن مبادرته، التي لاقت ترحيبا في بعض الأوساط، أثارت في الوقت ذاته جدلا واسعاً بسبب ما اعتبر «تجاهلا متعمداً» للمكون الحلفاوي، أحد المكونات الأصيلة في الولاية.
هذا التجاهل لم يكن الأول من نوعه، إذ سبقه والي كسلا اللواء الصادق الأزرق، الذي دأب على استبعاد قيادات حلفا من الاجتماعات الرسمية والتجمعات مع الإدارات الأهلية، ما عمق الإحساس بالغبن لدى أبناء هذا المكون، الذين لطالما شعروا بأنهم خارج حسابات السلطة.
ويذكر أن عددا من أبناء حلفا كانوا قد طالبوا في وقت سابق بفصل محلية حلفا الجديدة عن ولاية كسلا، احتجاجا على ما وصفوه بـ« الظلم والتهميش الممنهج» الذي تتعرض له منطقتهم.
ورغم أن حلفا الجديدة تعد من أكبر المحليات مساهمة في رفد خزينة الولاية بالضرائب والجبايات، إلا أن نصيبها من التنمية يكاد يكون معدوما، بحسب ما تؤكده شواهد الواقع.
ففي الوقت الذي تفرض فيه الجبايات على التجار والمواطنين في حلفا، و تباع الميادين والساحات العامة، وتهدر الموارد دون أن ينعكس ذلك على تحسين الخدمات أو تطوير البنية التحتية. هذا التناقض الصارخ بين ما يُحصل من أموال وما يقدم من خدمات ، يعزز الشعور بالتمييز ويغذي مشاعر الإقصاء.
إن مبادرة الكاردينال، رغم نبل أهدافها المعلنة، فقدت الكثير من زخمها بسبب هذا الإقصاء غير المبرر لمكون حلفا، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدية المبادرة وشموليتها.
فكيف يمكن الحديث عن نبذ خطاب الكراهية وبناء جسور الثقة بين المواطن والحكومة ، في ظل تغييب طرف أساسي من المعادلة المجتمعية بالولاية؟
إن معالجة الأزمة في شرق السودان لا يمكن أن تتم عبر مبادرات انتقائية أو لقاءات شكلية، بل تتطلب رؤية شاملة تعترف بجميع المكونات، وتضع حدا لسياسات التهميش والإقصاء، ومحاربة الفساد وتؤسس لعدالة تنموية حقيقية. فالمشكلة ليست في خطاب الكراهية فقط، بل في الواقع الذي يغذيه ويمنحه الشرعية .
ختاما، فإن ما يحدث في كسلا اليوم ليس سوى انعكاس لأزمة أعمق، تتطلب من الحكومة المركزية والجهات الفاعلة وقفة جادة، تبدأ بالاعتراف بالمظالم، وتمر عبر الحوار الشامل، وتنتهي بإجراءات عملية تعيد الثقة للمواطن وتعيد للمنطقة استقرارها وتنميتها المفقودة .



