البيع المباشر للأراضي بحلفا الجديدة.. فساد ممنهج يهدر الملايين في وضح النهار

صمت الوالي وتواطؤ المسؤولين.. من يحمي شبكة الفساد في كسلا؟
ميدان الاحتفالات والتوفيقية.. شواهد دامغة على نهب المال العام
المحامي بيرم : قانون التخطيط العمراني بريء.. والبيع المباشر جريمة تحت الطاولة
تقرير : نادر عبدالله عبدة
تُعد قضية الفساد في ملف الأراضي بولاية كسلا، وبالأخص في مدينة حلفا الجديدة، واحدة من أبرز القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في الشارع السوداني خلال السنوات الأخيرة.
فقد تحولت عمليات البيع المباشر للأراضي العامة إلى وسيلة ممنهجة لإهدار المال العام، في ظل صمت الوالي وتغاضي الجهات الرقابية، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول دوافع هذا الصمت وحقيقة المستفيدين من هذه الممارسات.
خلفية القضية
منذ فترة طويلة، ظل ناشطون ومهتمون بالشأن العام يحذرون من خطورة ما يعرف بالبيع المباشر للأراضي، حيث يتم التصرف في الميادين والساحات العامة لصالح أفراد بعينهم، بعيداً عن المزادات العلنية التي تكفل الشفافية وتحدد القيمة الحقيقية للأراضي.
هذا الأسلوب لم يعد خافياً على أحد، بل أصبح حديث الشارع العام، وأثار استياء المواطنين الذين يرون فيه استغلالاً للسلطة وإهداراً لموارد الدولة.
ميدان الاحتفالات نموذجاً
أحد أبرز الأمثلة على هذا الفساد هو ما حدث في ميدان الاحتفالات بحلفا الجديدة، حيث تم التصرف في أكثر من 180 قطعة أرض عبر البيع المباشر بأسعار زهيدة لا تعكس قيمتها الحقيقية. تشير التقديرات إلى أن هذه الممارسات أهدرت مليارات الجنيهات من المال العام، إذ بيعت الأراضي بمبالغ أقل بكثير من قيمتها السوقية، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: لمصلحة من يتم هذا التفريط؟
ملف ميدان التوفيقية
الأمر لم يتوقف عند ميدان الاحتفالات، بل امتد إلى ميدان التوفيقية، حيث كشفت تقارير جديدة أن بعض القطع بيعت بمبالغ لا تتجاوز ثلاثة ملايين جنيه، في حين أن قيمتها السوقية لا تقل عن 150 مليوناً. هذا الفارق الضخم يعكس حجم الإهدار ويؤكد أن البيع المباشر ليس سوى أداة لتحقيق منافع خاصة على حساب المال العام. كما أن بعض الأسماء المستفيدة من هذه الصفقات تكررت في أكثر من ملف، ما يعزز فرضية وجود شبكة مصالح متداخلة تستفيد من هذا الفساد الممنهج.
مخالفة القانون
بحسب ما أوضحه المحامي محمد الفاتح بيرم، فإن نصوص قانون التخطيط العمراني تنص بوضوح على أن بيع الأراضي يجب أن يتم عبر المزاد العلني، لضمان الشفافية والمنافسة العادلة. أما ما يُسمى بالبيع المباشر، فهو مخالف للقانون ولا يستند إلى أي نص تشريعي، بل يمثل إساءة لاستخدام السلطة واستغلالها لتحقيق مصالح شخصية. هذا النوع من الممارسات لا يضر فقط بحقوق مواطني حلفا الجديدة، بل يسيء إلى هيبة الدولة ويقوض ثقة المواطنين في مؤسساتها.
تدخل الدولة لفرض هيبتها وسيادة قانونها
وطالب بيرم بتدخل الدولة لفرض هيبتها وسيادة قانونها ، كما ينبغي تفعيل دور الأجهزة الرقابية والقضائية لمحاسبة المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم أو مواقعهم. فالقانون يجب أن يُطبق على الجميع دون استثناء، امتثالاً لمبدأ العدالة الذي أكد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعنا يدها”.
صمت الوالي والجهات الرقابية
رغم المناشدات المتكررة للوالي ووزير العدل بضرورة التدخل العاجل لوقف هذا الفساد، إلا أن الصمت ظل سيد الموقف.
هذا الصمت يثير شكوكاً حول وجود تواطؤ أو مصالح مشتركة بين بعض المسؤولين، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية الدولة في مكافحة الفساد وحماية المال العام.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
إهدار المال العام عبر البيع المباشر لا يقتصر أثره على الخزينة العامة فقط، بل يمتد ليؤثر على التنمية العمرانية والاقتصادية في المنطقة. فحين تُباع الأراضي بأسعار زهيدة لمستفيدين محددين، يُحرم المواطنون من فرص عادلة للحصول على أراضٍ بأسعار مناسبة، كما تُفقد الدولة موارد كان يمكن أن تُستثمر في مشاريع تنموية وخدمية. هذا الوضع يخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي ويزيد من فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
المطالب والإصلاحات
إن مواجهة هذا الفساد تتطلب تدخلاً عاجلاً من الدولة لفرض هيبتها وسيادة القانون. يجب أن تُلغى جميع التصديقات التي تمت عبر البيع المباشر، وأن يعاد النظر في ملفات الأراضي التي تم التصرف فيها بطرق غير قانونية.
جريمة مكتملة الأركان بحق المال العام
فحين تُدار الصفقات “تحت الطاولة”، وتُمنح الأراضي لمقربين وقيادات تنفيذية، يصبح الحديث عن العدالة والشفافية مجرد شعارات فارغة.
لذلك قضية البيع المباشر للأراضي في حلفا الجديدة ليست مجرد تجاوز إداري، بل هي جريمة مكتملة الأركان بحق المال العام والمواطنين. استمرار هذا الفساد دون محاسبة يهدد استقرار الدولة ويقوض ثقة الشعب في مؤسساتها. لذلك، فإن التدخل العاجل والحاسم أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، حتى لا يُقال إن هذا الفساد محمي، وحتى تستعيد الدولة هيبتها وتؤكد التزامها بسيادة القانون وحماية حقوق مواطنيها.




