من اراضي الخرطوم إلى حلفا الجديدة… ومتى ينصف البرهان وإدريس أهل حلفا
أراضي حلفا بين فساد البيع المباشر وصمت المسؤولين و العدالة الغائبة والحقوق المسلوبة
أراضي حلفا بين فساد البيع المباشر وصمت المسؤولين و العدالة الغائبة والحقوق المسلوب
تقرير : نادر عبدالله حلفاوي
شهدت الساحة السياسية والإدارية يومي امس وامس الاول حدثاً لافتاً، حين وجه رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس بتقديم اعتذار رسمي لموظفة الأراضي بولاية الخرطوم، آيات محمد أحمد، بعد أن تعرضت لإيقاف عن العمل إثر مشادة مع عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار. هذه الخطوة، التي جاءت بحضور والي الخرطوم، اعتبرت تأكيدا على احترام سيادة القانون وحماية حقوق العاملين في الخدمة المدنية، وأثارت ارتياحاً واسعاً في الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء.
الاعتذار الرسمي الذي قدّمه رئيس الوزراء لموظفة الأراضي، التي عرفت بأمانتها وحفاظها على حقوق المواطنين لأكثر من أربعة عقود، حمل دلالات عميقة. فقد أعاد الثقة في مؤسسات الدولة وأثبت أن العدالة يمكن أن تجد طريقها حتى في ظل التعقيدات السياسية والإدارية. كثيرون رأوا في هذه الخطوة انتصاراً للقانون على النفوذ، ورسالة واضحة بأن الحق لا يضيع مهما طال الزمن.
لكن هذا الحدث لم يتوقف عند حدود الخرطوم، بل امتد صداه إلى ولاية كسلا وحلفا الجديدة، حيث يعاني المواطنون هناك من أزمة أراض توصف بأنها أكبر وأخطر. فقد تداولت مجموعات واسعة من سكان حلفا الجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في قروبات “واتساب”، خبر الاعتذار للموظفة باعتباره بارقة أمل في أن تمتد يد العدالة لتشمل قضيتهم المزمنة المتعلقة بملف الأراضي.
* ملف الأراضي في حلفا الجديدة… فساد على المكشوف
الأزمة في حلفا الجديدة ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت على مدى سنوات بسبب ما يصفه المواطنون بفساد ممنهج في عمليات البيع المباشر للأراضي. هذا الأسلوب، الذي يفترض أن يكون استثناءً، تحوّل إلى قاعدة تُستغل لتحقيق مصالح ضيقة على حساب حقوق المواطنين. السماسرة أصبحوا جزءاً من المشهد، يتداولون علنا تفاصيل التسويات والتصديقات، فيما تُتهم شخصيات تنفيذية ونظامية ولجان مقاومة بالتورط في هذه العمليات.
ما يحدث في ملف الأراضي هناك لم يعد خافياً على أحد. فالتسويات والتنازلات تتم بعد التصديق مباشرة « بالمستندات» ، وتُهدر أموال عامة عبر البيع المباشر كان من المفترض أن تُوجّه لتنمية المنطقة وتحسين حياة سكانها. ومع ذلك، يظل حكومة كسلا في موقف المتفرج، دون تدخل حاسم يوقف هذا النزيف.
* بين الخرطوم وحلفا… العدالة المفقودة
المقارنة بين ما حدث في الخرطوم وما يجري في حلفا الجديدة تطرح سؤالاً جوهرياً : هل سيُعامل مواطنو حلفا الجديدة بالإنصاف ذاته الذي حظيت به موظفة الأراضي في الخرطوم؟ فبينما تحركت القيادة العليا سريعاً لإعادة الاعتبار لموظفة واحدة، يظل آلاف المواطنين في حلفا الجديدة محرومين من أراضيهم، يواجهون تعنت الوزير وصمت الوالي، دون أن يجدوا من ينصفهم.
المواطنون هناك يتساءلون: لماذا لا يصدر البرهان أو إدريس توجيهات بفتح تحقيق شامل في ملف الأراضي بحلفا الجديدة؟ ولماذا يُترك هذا الملف ليدار في الظل، بينما تتكشف تفاصيله يوما بعد يوم عبر الوقفات الاحتجاجية المتكررة من المواطنين ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي؟ إن ما يحدث في حلفا الجديدة ليس مجرد قضية إدارية، بل هو قضية عدالة وحقوق، تمس حياة الناس ومستقبلهم.
* دعوة إلى تحرك عاجل
إن الاعتذار الذي قُدم لموظفة الأراضي في الخرطوم يجب أن يكون بداية لنهج جديد في إدارة الملفات الحساسة، يقوم على الشفافية والمساءلة. فالمواطنون في حلفا الجديدة يستحقون أن تُسمع أصواتهم، وأن تُفتح ملفات أراضيهم أمام القضاء والرأي العام، بعيداً عن التسويات المشبوهة والصفقات غير القانونية.
المجلس السيادي ومجلس الوزراء أمام اختبار حقيقي: إما أن يثبتا أن العدالة لا تتجزأ، وأن ما حدث في الخرطوم يمكن أن يتكرر في حلفا الجديدة، أو أن يتركا المواطنين هناك يواجهون مصيرهم وحدهم، في ظل فساد مستشر وصمت رسمي مريب.
* معركة من أجل سيادة القانون وحقوق المواطنين
القضية ليست مجرد نزاع على أراض، بل هي معركة من أجل سيادة القانون وحقوق المواطنين. الاعتذار في الخرطوم كان خطوة إيجابية، لكنه لن يكتمل إلا إذا امتد ليشمل كل من تضرر من الفساد في ملف الأراضي، خاصة في حلفا الجديدة. فهل نشهد قريبا قرارات جريئة تعيد الحق إلى أهله، أم يبقى المواطنون هناك أسرى الوعود والتمنيات؟





