وقفة … عزت عزالدين يكتب: الآثار السودانية بين غمار السد العالي وحرب الخرطوم
وقفة ✍️ عزت عزالدين
لم تنته الحرب اللعينة على سوداننا الحبيب عند حدود الخسائر البشرية والعمرانية والاقتصادية فقط بل امتدت الي ماهو اخطر ، الي التراث والآثار اي الذاكرة التي تحفظ معني الدولة قبل ان تحفظ شكلها ، ففي غمرة الفوضي نهب حوالي (٢٠) متحف بما فيهم المتحف القومي .
وتضررت مواقع اثرية وضاعت مخطوطات ثمينة لا تقدر بثمن ، وتم تدمير آثار ومقتنيات تؤرخ للحضارة السودانية الممتدة على مدي اكثر من سبعة الف سنة، بينما اكتفي المجتمع الدولي بالمراقبة من بعيد ، فالآثار السودانية ليست حجارة صامتة ، بل سجل حضاري ممتد من كرمة الي مروي الي سواكن الي أمدرمان والفاشر .
وحين يدمر هذا السجل او يسرق لا يخسر السودان وحده ، بل تخسر الإنسانية جزءا من تاريخها المشترك ، هنا تحديدا يبدا مسئولية المجتمع الدولي لا بوصفه مانحا ، بل شريكا في الحماية ، وبالرغم من وجود الاتفاقيات الدولية التي تتحدث عن حماية الآثار أثناء النزاعات لكنها في الحالة السودانية بدت كحبر علي ورق .
فلا فرق تفتيش ولا اليات ردع حقيقية ولا ضغط جاد لوقف تهريب الآثار عبر حدودنا المجاورة ، والصمت الدولي مهما كانت مبرراته يتحول عمليا الي تخل عن الذاكرة . وبالرغم من تحرك الحكومة السودانية واجتهادها في اعادة جزء قليل من المنهوبات ، حيث تم استرداد حوالي (٥٧٠) قطعة أثرية إلا ان البحث جاري عن عشرات الآلاف من القطع الأثرية ، وكأن الآثار السودانية محكوم عليها ان تعيش دائما في حالة انتظار ، انتظار الاكتشاف ،انتظار الاعتراف ، انتظار الحماية ، ثم انتظار الإنقاذ ، فهي حاضرة في الأرض ،غائبة في الوعي ومؤجلة القرار ، وبعد الحرب لايكفي ترميم الجدران إذا تركت الهوية بلا حماية .
والمطلوب تحرك عاجل للمجتمع الدولي والضغط علي دول الجوار التي بدأت بعض القطع تظهر فيها للتعاون واستعادة المنهوب ، ورغم اجتهادها إلا ان هنالك مسئولية علي الحكومة السودانية فهي مطالبة بإعادة تعريف الآثار كقضية سيادة وإشراك المجتمعات المحلية في حمايته ، لان ما لايحميه أهله لا تنقذه القرارات الدولية ، والسؤال الذي يجب ان يطرح ليس فقط كيف نعيد بناء السودان ، بل اي سودان سنبنيه إذا ضاعت ذاكرته.




