مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com الخرطوم بين ركام النفايات وحق المستهلك في بيئة صحية

مهد الحروف
د. هيثم حسن عبد السلام
خبير شؤون المستهلك
mismawia@yahoo.com
الخرطوم بين ركام النفايات وحق المستهلك في بيئة صحية.
لا يكتمل الحديث عن حقوق المستهلك دون التوقف عند حقه الأصيل في العيش داخل بيئة صحية وآمنة. فهذا الحق يُعد أحد الحقوق الثمانية الأساسية للمستهلك التي أقرتها المواثيق الدولية، وهو حق يتجاوز حدود جودة السلع والخدمات ليشمل جودة الحياة نفسها؛ فالبيئة النظيفة والصحية هي الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويتعامل من خلاله مع الغذاء والماء والهواء وكل ما يحيط به من عناصر الحياة.
و يكتسب هذا الحق أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها بلادنا ، خاصة مع عودة المواطنين تدريجياً إلى الخرطوم وعدد من المدن المحررة من دنس التمرد. هذه العودة تمثل بارقة أمل لاستعادة الحياة الطبيعية، لكنها في الوقت ذاته تضع تحديات كبيرة أمام المؤسسات المسؤولة عن الصحة العامة وسلامة البيئة.
فالمدن التي أنهكتها الحرب تحتاج إلى جهود مضاعفة لإعادة تأهيلها بيئياً وصحياً. وتبرز هنا أدوار وزارة الصحة والمحليات باعتبارهما خط الدفاع الأول في حماية المجتمع من المخاطر الصحية التي قد تنشأ نتيجة تراكم النفايات، أو انسداد المصارف، أو انتشار الملوثات في الأحياء والأسواق. فالتقاعس في هذا الجانب قد يقود – لا قدر الله – إلى انتشار كارثي للحميات والأمراض الوبائية وسط المواطنين ( رغم معاناة المواطنين الان من حميات الملاريا والضنك) ، خاصة في ظل الظروف المناخية المعروفة في بلادنا وافرازات الحرب اللعينة.
ورغم وجود بعض الجهود المبذولة هنا وهناك، إلا أنها – في كثير من الأحيان – لا تتجاوز كونها محاولات لإثبات الحضور أكثر من كونها معالجة حقيقية لجذور المشكلة. فالواقع في شوارع العاصمة وعدد من المدن الأخرى يشير بوضوح إلى أن حجم التحدي أكبر بكثير مما يُبذل حالياً من عمل.
وهنا يبرز سؤال مشروع يردده المواطن في كل حي: أين اختفت آليات هيئة نظافة الخرطوم التي كانت تجوب الشوارع؟ وأين عربات المحليات التي يفترض أن تتولى متابعة مصارف المياه ونقل النفايات المتراكمة في الطرقات والأحياء؟ وأين دورهم في حملات النظافة اليومية؟ إن غياب هذه الآليات ينعكس في منظر غير حضاري و يتعداه إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان وحقه في بيئة سليمة.
إن حماية حق المستهلك في بيئة صحية مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، رغم أن دورها يظل محورياً في توفير الآليات والتخطيط والرقابة. فالمواطن أيضاً شريك أساسي في هذه المعركة اليومية ضد التلوث والإهمال، من خلال الالتزام بالنظافة العامة، وتنظيم المبادرات المجتمعية داخل الأحياء، والتعاون مع السلطات المحلية للحفاظ على بيئة نظيفة وآمنة.
إن استعادة المدن لا تعني فقط عودة الناس إلى منازلهم، بل تعني أيضاً استعادة روح المكان ونظافته وصحته. فحين تتضافر جهود الحكومة مع وعي المواطنين، يمكن لبلادنا أن تتجاوز هذه المرحلة الصعبة، وأن تعود شوارعها نظيفة، وأحياؤها معافاة، لننعم جميعاً بحق أصيل من حقوق المستهلك وهو العيش في بيئة صحية وآمنة.



