كتاب واراء

وقفة.. عزت عزالدين يكتب : لا دولة بلا محاسبة

وقفة : عزت عزالدين

لقد كثر الحديث في الصحف عن اخبار وقضايا الفساد من مسئولين في دولة أنهكتها الحرب، وتكاد تتعثر وهي تحاول ان تلملم أطراف ما تبقي لها وتنهض، في لحظة فارقة في تاريخه الحديث فالحرب التي مزقت البلاد كشفت في الوقت نفسه عمق الاختلالات التي تراكمت عبر سنوات طويلة اختلالات في الإدارة، وفي توزيع الموارد، وفي مكافحة الفساد، وفي منظومة الرقابة والمساءلة، ومعروف ان في مثل هذه البيئات تصبح التنمية امرا صعبا، لأن المال العام يفقد طريقه الي المواطن.
والفساد اتفق حوله الخبراء السياسيون والأكاديميون، على انه ليس مجرد جريمة مالية فقط، بل هو تهديد لبنية الدولة نفسها، لأنه يقوض الثقة العامة ويضعف المؤسسات ويعطل التنمية، ومن العبارات المشهودة للرئيسة السابقة لمنظمة الشفافية الدولية (هوتيغت لابيل) انها قالت بأن محاربة الفساد ليست هدفا بحد ذاته، بل طريق لتحقيق العدالة والسلام.
وفي تاريخ الدول لا تبدأ معركة البناء الا عندما تبدأ معركة المحاسبة، فالدول تنهار حين يتحول الفساد الي سلوك عادي، وتغيب المساءلة عن المال العام والسلطة، كما ان الحديث عن محاربة الفساد لا يمكن ان يكون مجرد شعار سياسي، او خطاب اعلامي، بل يحتاج الي مؤسسات قوية وقضاء مستقل، وقوانين واضحة تضمن المساءلة دون استثناء، والمحاسبة لا تعني الانتقام السياسي، بل ترسيخ مبدا ان من يتولى المسؤولية يجب ان يخضع للمساءلة.
والدولة الحديثة تقوم على مبدأ لا أحد فوق القانون، ولا حصانة دائمة للسلطة ، وعليه نعتقد ان مرحلة مكافحة الفساد يجب ان ترتبط بمعركة إعادة بناء الدولة بعد الحرب ، فإعادة البناء لا يتعلق فقط ببناء الطرق والجسور وترميم المباني، بل يتعلق ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، وهذه الثقة لا يمكن ان تعود ما لم يشعر المواطن بأن المال العام مصان، وان العدالة تسري على الجميع.
ان الدول التي نجحت في تجاوز ازماتها الكبرى، لم تفعل ذلك الا عندما جعلت المحاسبة جزءا من ثقافتها السياسية، لا مجرد إجراءات مؤقتة، فالمحاسبة ليست عبئا علي الدولة.
لقد دفع السودان ثمنا باهظا عبر سنوات من سوء الإدارة وغياب الشفافية ، ويحتاج اليوم لإرادة حقيقية تضع القانون فوق الجميع، والمال العام أمانة لا غنيمة ، وعندها فقط يمكن ان تتحول معركة مكافحة الفساد من حديث في الصحف الي حقيقة تكتب في مستقبل وطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى