
وفاة الشيخ محمد عثمان صالح
أصبحنا اليوم الأحد 10 شوال 1447 الموافق 29 مارس 2026 على نبأ وفاة الشيخ الدكتور محمد عثمان صالح في مدينة الرياض، رحمه الله تعالى وأحسن إليه.
قبل أيام اتصلت به وكان بالمستشفى، وجاءني صوته قويًا كما عهدنا، يسأل عن أخبار الوطن والأحباب، صافي الذهن ممتلئًا بروح المودة والمرح الذي نعرفه عنه.
في أعوام السبعينيات الميلادية وكنا طلابًا في جامعة أم درمان الإسلامية، التحق بهيئة التدريس كوكبة من الدكاترة ممن ابتعثتهم الجامعة إلى الخارج؛ بريطانيا ومصر. كانوا ثلة من الشباب الذي جمع بين أصالة الفكر ومقتضيات العصر. أذكر من بينهم الأستاذ الدكتور محمد عثمان صالح، والأستاذ الدكتور علي أحمد محمد بابكر، والأستاذ الدكتور عبد العزيز محمد عثمان، والأستاذ الدكتور أحمد جلي والأستاذة الدكتورة عائشة الغبشاوي والأستاذ الدكتور محمد صالح محيي الدين والأستاذ الدكتور بشير محمد بشير وغيرهم.
جاءت هذه الثلة إضافة كبيرة للبيئة العلمية والتعليمية بالجامعات السودانية، وكانوا رافدًا لحركة العلم والثقافة في السودان، ومن قبل ظلت قيادة الأقسام العلمية والدراسية وعمادة الكليات من نصيب الأساتذة المصريين، بل إن إدارة جامعة أم درمان آلت في ذلك الوقت إلى الأستاذ الدكتور عبد المجيد عابدين من مصر. أصبح لهؤلاء إسهام معتبر عندما انتدبتهم الجامعة للعمل خارج السودان في الجامعات الخليجية.
عمل الشيخ محمد عثمان صالح بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ونقل إلى فرعها بالمدينة المنورة، وبقي بها قليلا بعد تحول المعهد إلى كلية الدعوة والإعلام.
ولما عاد إلى السودان بادر إلى إنشاء كلية الدعوة والإعلام على غرار الكلية التي عمل بها. ثم انتُدب للعمل نائبًا لمدير جامعة القرآن الكريم عند إنشائها.
وبقيام هيئة علماء السودان وقع عليه الاختيار رئيسًا، إذ كان موضع اتفاق بين جمهور علماء السودان، وبقي فيها حتى أقعده المرض في السنوات الأخيرة.
ظل الشيخ محمد عثمان صالح مثال العقل المستنير، وصوتًا للاعتدال والوسطية. كنا نلجأ إليه لنتزود بحكمته ورؤيته عندما تدلهم الأزمات وما أكثرها في بلادنا.
لم يكن سعيدًا عند تعيينه وزيرًا للثقافة والتوجيه بولاية جنوب كردفان، وسمعته يعلق على ذلك بالمرح المعروف عنه: “لقد وقعنا في شر أعمالنا”، وكان توجه الدولة آنئذ تطعيم حكومات الولايات بعناصر من العلماء يكونوا موضع الخبرة والفكرة. وقد أثبت هذا التوجه مغزاه، غير أن السياسة البحتة لم تكن لتلائم بعضًا من أمثال الشيخ محمد عثمان صالح على الرغم من أن مضمار العمل التنفيذي الحكومي يتسابق إليه الناس بكل ما أوتوا من قوة.
كان الشيخ الدكتور محمد عثمان صالح مديرًا لجامعة أم درمان الإسلامية عندما يمَّمت وجهي تلقاء مكة للعمل برابطة العالم الإسلامي. ذهبت إليه في مكتبه لأودعه، فزوَّدني بنصائح غالية، وأوصاني خيرًا، فقد كان حفيًا بعلاقاته الدولية عمومًا وبعلاقات العمل في المملكة العربية السعودية خاصة.
رحم الله أبا الشهيد المقداد رحمة الأبرار، وأنزله منازل الصديقين والأخيار. إنا لله وإنا إليه راجعون.
عثمان أبوزيد ـ مكة المكرمة




