
*حكايه من حلتنا*
*يكتبها : آدم تبن*
*أحاجى الحبوبات*
للحبوبات معزة وحب خاص من أحفادهن بنين كانوا أو بنات صغارا وكبارا، الكل يحب حبوبه ويسارع إلى لقائها والجلوس بجانبها بإحترام وتقدير وحب وحنان، فالحبوبه لها مكانتها الإجتماعية التى منحها لها المجتمع ونالتها لقربها من أحفادها الصغار فهى من تنشر المودة بينهم وتعمق الإلفة والمحبة فيهم لتصبح نشأتهم نشأة صالحة أخوانا متحابين لايعكر صفوهم إختلاف رأى أو سوء فهم ، فهى صمام أمانهم تحن إلى وجودهم بالقرب منها وهم يشتاقون إليها ويسعون للبقاء بجوارها زمنا طويلا ، لايفصلهم عنها حتى نومهم يستمعون إليها وهى لاتكل ولاتمل من وجودهم حتى يناموا فى حضنها الدافئ، ويالها من عاطفة إنسانية تحتاجها الأجيال الحالية التى فقدت أغلبها الحبوبات بتآكل الأسر فقد غيب الموت كثيرا منهن أو المرض أو النزوح إلى أماكن أخرى بعيدة عن سكن الحبوبات فهن فى بعض الأحوال لايستطعن التنقل من مكان تواجدهن إلى آخر لضعف بنيتهن الجسمانية تتبعها أسباب أخرى منها إرتفاع تكاليف السفر وصعوبته وبعد المسافات ، لكن يظل مكان الحبوبات شاغرا فى كل بيت فى المدينة أو القرية .
ومن عاش فى كنف الحبوبات عندنا فى السودان يسمونه الناس ب(تربية حبوبات) وما أروع أن تكون بجانب الحبوبة التى لاتبخل على أحفادها بالحب والحنان تعلمهم الجود والكرم وتبنى لهم شبكة علاقات إجتماعية واسعة مع الأهل والجيران والمعارف وتزودهم بالنصح والإرشاد وتهديهم أفضل خبراتها وتجاربها فى الحياة ، فهى مستودع الأسرار والحكايات التى لاتنضب ولاينقطع سردها وروعة حديثها ، فكلما حكيت يطالبها الجميع بحكاية أخرى ممتعة ينام منهم من ينام ويبقى البعض فى إنتظار حكاية أخرى ، وهكذا تمضى ليلتهم وهم فى راحة وطمأنينة لايجدونها إلا عند حبوبة ، فلهن التحايا أجملها فلينسارع إليهن أحفادهن فى مكان تواجدهن لينالوا قسطا من الراحة بجانبهن، وبيوتنا بالطبع تملأهن الحبوبات حضورا دائما فى معظم الأوقات فتجدهن وسط أسرهن يبادلن الجميع بالترحاب والسؤال والمؤانسة ويبذلن ما فى وسعهن من المال والإنفاق والصدقات للمحتاجين من الأهل والجيران لقضاء حوائجهم وستر حالهم .
وما أروع أن تعيش مع الحبوبة فهى لاتألوا جهدا فى زرع الفرح والراحة مع أحفادها ، تقدم لهم كل خيرها وتقص عليهم أجمل الأحاجى فى الليل حيث تسمع صوتها معهم (حجيتكم ما حجيتكم/ خيرا جانا وجاكم) وعندها يرهف الأحفاد سمعهم ليستمعوا لأحاجى الحبوبات فتحكى إليهم من الحكايات الجميلة ما يقوى ذاكرتهم للحفظ والمتابعة فالحكايات عندها لا تنتهى ففى كل ليلة حكايات جديدة بلغة بسيطة يفهما الصغير والكبير يتداولنوها فى طريقهم إلى المدرسة أو عند عودتهم منها أو فى أثناء سمرهم لوحدهم عند غياب الحبوبة ، لذا تظل أحاجى الحبوبات تنمو فى عقولهم لايمكن نسيانها، وهنا هذه أحدى أحاجى الحبوبات (حجيتكم ما حجيتكم خيرا جانا وجاكم ) وهنا تقول الحبوبة: (دخل القش وما قال كش) وتسأل أحفادها (دا شنو) فيتبرع واحد منهم بالإجابة فتقول الحبوبة (كضبا كاضب) وعندما لايستطيع الأحفاد الإجابة تجيب الحبوبة قائلة:(دا الدخان) وتعنى أن الدخان لايحدث صوتا عندما يدخل بين القش الذى يشيد منه(التكل) بضم التاء والكاف وهو المطبخ مكان إعداد الطعام ، وبالتأكيد أن غياب الحبوبات من البيوت يعجز الأباء والأمهات عن سد فراغه الذى يكتوى به الأحفاد .
