كتاب واراء
أخر الأخبار

رخصة تشغيل المحول الرقمي فوضى التعاقد والإلغاء!!!  حاتم حسن احمد

رخصة تشغيل المحول الرقمي

فوضى التعاقد والإلغاء!!!

في عالم الاقتصاد والأعمال، لا توجد خسارة أكثر قسوة من خسارة كان بالإمكان تجنبها وما حدث في قضية “المحول الرقمي “التي بدأت بتعاقد مشبو وانتهت بإلغاء لا يجب أن يُقرأ باعتباره مجرد إلغاء لترخيص شركة أو إيقاف مشروع استثماري، بل باعتباره جرس إنذار مدوياً لكل المؤسسات المالية والتقنية والرقابية في البلاد ويمثل التحول الرقمي في القطاع المصرفي تغييراً جذرياً في تقديم الخدمات العامة عبر أتمتة الإجراءات وإعادة هندستها. ويهدف إلى رفع كفاءة الأداء، تعزيز الشفافية، توفير التكاليف التشغيلية، وتقديم تجربة سلسة وسريعة تلبي تطلعات المستفيدين.

خلفية عن الشركة صاحبة التعاقد الملغى هي شركة تأسست في أواخر عام 2025، فكيف اكتسبت الثقة لإدارة مشروع بهذه الحساسية؟ وما المشاريع المماثلة التي نفذتها الشركة قبل حصولها على هذه الرخصة؟ لا يوجد لها أي مشروع سابق هل تمتلك الشركة سوابق تشغيل ناجحة المحولات مالية على المستوى الوطني أو الإقليمي؟ للأسف لا، ثم شي أخير كيف تتأكد من قدرة الشركة على تشغيل نظام بهذه الأهمية واستمراريته؟ ولا توجد أي ضمانات للأسف؟ ويجب العلم أن هذه الرخصة تخول للشركة إنها تكون مسؤولة من عمليات السحب من أجهزة الصراف الآلي (ATM) ومدفوعات بطاقات الخصم والائتمان والتحويلات المالية بين الحسابات المدفوعات الإلكترونية عبر نقاط البيع (POS) أو التطبيقات بمعنى ان التعاقد الملغي يمكن الشركة من السيطرة على كل هذه العمليات، ويتيح لها السيطرة بشكل كامل على العمليات النقدية والتحويلات وعمليات الشراء في السودان،

الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بشجاعة أن ما حدث لم يكن فشلاً تقنياً، ولم يكن أيضاً أزمة تمويل أو نقصاً في الكفاءة الفنية، بل كان فشلاً في إدارة العلاقة بين الاستثمار والسلطة التنظيمية، وبين الطموح التجاري ومتطلبات السيادة المالية للدولة.

إن أنظمة الدفع والتحويلات الإلكترونية ليست مجرد تطبيقات أو منصات أعمال، وإنما تمثل البنية العصبية للاقتصاد الوطني، ولذلك تحتفظ البنوك المركزية في العالم بحق الإشراف الكامل عليها باعتبارها جزءاً من الأمن القومي الاقتصادي للدولة.

ولعل العبارة التي كلفت “الشركة ” الكثير، وربما كل شيء، كانت الحديث عن “المحول القومي”. ففي لغة الاقتصاد، كما في لغة السياسة والأمن، ليست الكلمات متساوية فهناك مصطلحات تحمل دلالات سيادية لا يجوز استخدامها باعتبارها أدوات تسويق أو عبارات احتفالية.

لكن القضية، في تقديري، لا ينبغي أن تنتهي بإلغاء الترخيص فقط، بل يجب أن تفتح باباً واسعاً للمراجعة والتقييم واستخلاص الدروس.

رسالتي الأولى للبنك المركزي وهي إن الثقة في المؤسسات التنظيمية تُبنى على الوضوح والاتساق وإذا كانت هناك ملاحظات فنية أو قانونية جوهرية تستوجب الإلغاء، فإن ذلك يستدعي أيضاً مراجعة شاملة لآليات منح التراخيص، وتعزيز إجراءات الفحص المسبق، ووضع بروتوكولات أكثر دقة للتعامل مع الأنشطة ذات الحساسية السيادية، بما يحمي الاقتصاد والمستثمرين معاً.

ورسالة إلى الأجهزة الأمنية والرقابية مفادها إن حماية الأمن الاقتصادي مسؤولية وطنية لا خلاف عليها، لكن تعزيز الاستثمار يحتاج أيضاً إلى بناء منظومة إنذار مبكر وتنسيق استباقي يمنع وقوع الأزمات قبل تحولها إلى وقائع مكتملة، فالتدخل الوقائي أقل تكلفة من المعالجة اللاحقة.

ورسالة إلى القطاع المصرفي بأكمله إن التحول الرقمي لم يعد خياراً، لكنه أيضاً لا يحتمل الاجتهادات غير المدروسة المطلوب اليوم هو بناء شراكة حقيقية بين المصارف وشركات التقنية المالية والجهات الرقابية، قائمة على الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر.

أخيراً فإن هذه القضية يجب ألا تتحول إلى قصة إخفاق، بل إلى درس وطني كبير في الحوكمة وإدارة المخاطر والاتصال المؤسسي ويجب التحقيق ومحاسبة كل من أخفق ومراجعة معايير الرخص والتدقيق بعد طرح الخدمات في عطاءات حقيقية ويبقي ان المراجعة الشاملة وتعزيز إجراءات الفحص المسبق هي الطريق الوحيد لحماية الاقتصاد الوطني وحماية القطاع المصرفي وحماية المستثمرين وضرورة العمل على تنفيذ المشروع والتعاقد مع جهات مسنودة علي الخبرة والمقدرة الفنية الكافية و أن يتم التعاقد وفقا للشروط الفنية لأهمية الامر للقطاع المصرفي ومن ثم للاقتصاد السوداني وان يكون الإلغاء للتعاقد المشبوه غير المستوفى وليس إلغاء للمشروع .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى