أسرار وخفايا تُنشر لأول مرة عن هجرة أهالي حلفا.. « الحلقة الثانية »
بقلم: د. إسماعيل حسين عبد الله - ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي

أعلنت حكومة عبود في العام 1960 عن قرارها النهائي باختيار “خشم القربة” موقعاً لإعادة توطين الحلفاويين بعد مرور ثلاثة أشهر على إعلان “اللجنة القومية” عن الموقع الذي اختارته لإعادة استيطان أهاليهم. وكانت تلك الشهور (أغسطس – أكتوبر 1960م) هي أصعب الأوقات التي مرت بأهل وادي حلفا؛ ولا غرو، فقد كانت فترة مليئة بالشك والتحسب والترقب القلق.
لقد كانوا بالفعل حساسين، ويسهل سريان الشائعات بينهم. وبدا أنهم كانوا في بداية الأمر يوقنون بأن الحكومة ستجيز على ما توافقوا عليه من اختيار منطقة جنوب الخرطوم مقراً لإعادة استيطانهم، خاصة وقد سمعوا من رئيس الوزراء (عبود) نفسه، إبان زيارته لهم، بأنهم سينقلون لأي منطقة يختارونها بأنفسهم؛ وأن الحكومة لن تدخر وسعاً في مساعدتهم على اختيار المنطقة التي يرغبون في السكن فيها، بعد دراسة متأنية لكل منطقة من المناطق التي تم اقتراحها.
غير أنه مع تطاول فترة انتظار إصدار الحكومة لقرارها حول المكان المختار، بدأ الشك يتسرب تدريجياً لنفوس الحلفاويين. وفسر بعضهم تلكؤ الحكومة في إصدار قرارها النهائي بأنه رفض منها لتفضيلهم إعادة التوطين في جنوب الخرطوم. لذا أحسوا بالخذلان والخيانة من الحكومة، وبأن بقية الشعب السوداني قد تخلوا عنهم. وتم التعبير عن تلك المشاعر في الكثير من قصائد شعراء الحلفاويين وأغانيهم العاطفية التي ذاعت في منطقتهم. وفَشَا اليأس والقنوط بين بعض أهالي المنطقة الذين لم يدر بخلدهم قط أن يجبروا على هجر موطنهم الصغير في نهاية المطاف، وبصورة نهائية. وكإشارة منهم للأسف والحزن الشديد قرروا الامتناع عن إقامة حفلات الأعراس وغيرها من ضروب الاحتفالات (أشار الكاتب في الحاشية أن الأستاذ محمد خير عثمان، المدرس ببخت الرضا، قد قام بالاشتراك مع الطبيب النفسي طه بعشر، بإجراء دراسة نفسية لبعض سكان منطقة وادي حلفا قبل تهجيرهم – وصدرت نتائج تلك الدراسة في تقرير باللغة العربية. المترجم).
وفي الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر 1960م، أي قبل أيام قليلة من وصول الوفد الوزاري إلى وادي حلفا لإبلاغ سكانها بقرار الحكومة الذي حدد المنطقة التي ستتم فيها إعادة توطينهم، سرت شائعات بين سكان المنطقة بأنهم سيهجرون إلى منطقة “خشم القربة”. ولعل موظفي اتصالات “الترنكTrunk ” هم من كانوا قد نقلوا تلك المعلومة لمعارفهم بعد أن تنصَّتوا على محادثات بين مسؤولين في الخرطوم مع المسؤول الإداري لمنطقة وادي حلفا. وعلى الرغم من نفي ذلك المسؤول الإداري لتلك الشائعات، إلا أن الحلفاويين ظلوا مقتنعين بصحة ما سمعوه عن المكان الذي سيهجرون إليه، وظللوا يرددون بما يفيد أنه “ما من دخان من غير نار”، وظلت شكوكهم تزداد مع مرور الوقت.
(أورد الكاتب في الحاشية بأن ذلك المسؤول الإداري كان يعارض تهجير الحكومة للحلفاويين إلى “خشم القربة”، بل كان قد نصح الحكومة بقبول مطلب أهالي المنطقة الاستقرار في منطقة جنوب الخرطوم. غير أنه كان يريد أيضاً أن يؤكد للحكومة أنه لا يعارض بصورة قاطعة تهجيرهم لخشم القربة، وذلك بقوله: “أنا متأكد من أن أحوال المهجرين ستتحسن بلا شك إذا تم تهجيرهم إلى خشم القربة”.

يبدو أن المسؤول الإداري في وادي حلفا لم يكن، حتى يوم 15 أكتوبر 1960م، قد توصل لرأي نهائي حول “خشم القربة” بحسبانها موقعاً ستتم فيه إعادة استيطان الحلفاويين.
وبدا أن التوتر في منطقة وادي حلفا كان عظيماً. وكان واضحاً أن المسؤول الإداري بها لم يكن سعيداً عندما تم إخباره بأن الوفد الوزاري سوف يأتي لوادي حلفا لإعلان المنطقة التي قررت الحكومة ترحيل الحلفاويين إليها. ونصح ذلك المسؤول الوفد الحكومي بعدم الحضور للمدينة خوفا من ردة الفعل العنيف الذي سيقوم به سكان المدينة الغاضبين. وعوضاً عن مجيء الوفد لوادي حلفا، اقترح أن تدعو الحكومة ممثلين لأهالي المنطقة للحضور إلى العاصمة لإبلاغهم – في جو سلمي – بقرارها الأخير. وأعتقد المسؤول الإداري أن بوسع الحكومة أن تقنع أولئك الممثلين بوجاهة أسباب قرارها النهائي.
وعلى الرغم من نصيحة المسؤول الإداري في وادي حلفا، قررت الحكومة إرسال ذلك الوفد الوزاري للمدينة. وكان على المسؤول الإداري بها اتخاذ إجراءات صارمة لضمان سلامة أعضاء الوفد الزائر. وبدأ بوضع كثير من الشيوعيين (وكل من يشك في ولائهم للحكومة) بالمدينة تحت مراقبة لصيقة لكل تحركاتهم.
وتم كذلك جلب عدد كبير من رجال قرية “دبيرة” (التي كان بها الكثير من المؤيدين للتهجير إلى “خشم القربة”) ليكونوا في استقبال الوفد الوزاري عند وصوله مطار المدينة. وأحس المسؤول الإداري بالمدينة بارتياح كبير عندما أبلغته “اللجنة القومية” بأنها قررت عدم استقبال الوفد رسمياً في المطار. وكانت تلك اللجنة قد أدركت في تلك الأيام أن الحكومة قد قررت – بصورة نهائية – أن تختار منطقة “خشم القربة” موقعاً لإعادة توطين الحلفاويين، وأنها قد تجاهلت رغبتهم في الاستقرار بمنطقة جنوب الخرطوم.
ويبدو أن كل شخص تقريباً في وادي حلفا كان على علم بقرار الحكومة النهائي عندما حطت طائرة الوفد الحكومي في مطار وادي حلفا يوم 22 أكتوبر 1960م. وتجمهر الكثير من سكان المدينة في أحد ميادين المدينة للتظاهر ضد قرار سبق لهم معرفته، وليس لسماع قرار الحكومة من ذلك الوفد الزائر (الذي كان أيضا على علم بأن أهالي وادي حلفا كان يعرفون أن الحكومة قد اتخذت قرارها حول إعادة الاستيطان).
لذا حاول رئيس الوفد ( اللواء محمد طلعت فريد، وزير الاستعلامات والعمل) في خطابه بالمطار كسب مستمعيه لجانب الحكومة؛ فبدأ بتحية الحلفاويين والإشادة بنكرانهم لذواتهم وبأخلاقهم الرفيعة. وأكد لهم بأن الحكومة مهتمة غاية الاهتمام بمشاكلهم، ونقل لهم كلمات الرئيس عبود التي مفادها أنه سيتأكد بنفسه من أن كل الخدمات العامة ستكون متوفرة في موطنهم الجديد، وأنه سيحول أي فائض في ميزانية البلاد إلى “خشم القربة” حتى تغدو مدينة مثالية بحسب المعايير العالمية.»»» نواصل في الحلقة الثالثة


