كتاب واراء
أخر الأخبار

صرير القلم د. معاوية عبيد    الطائرة النفاثة… والسحب الرعدية… وأحلامنا الوردية

صرير القلم د. معاوية عبيد

 

الطائرة النفاثة… والسحب الرعدية… وأحلامنا الوردية

 

ثمة أسئلة تولد معنا ثم تكبر فينا قبل أن نجد لها جواباً ومنذ طفولتنا كنا نرفع أبصارنا إلى السماء نتابع الطائرات النفاثة وهي تشق الفضاء تاركة وراءها خيوطاً بيضاء مستقيمة ،فنحسبها دخاناً أو أثراً غامضاً لا يعلمه إلا الله ثم علمنا بعد سنوات أن ما كنا نراه ليس سوى حقيقة علمية اسمها مسارات التكاثف خطوط تصنعها قوانين الفيزياء لا أوهام البصر .

وكنا نقف في مواسم الخريف نَرقُب السحب الداكنة وهي تتزاحم فوق الرؤوس يسبقها البرق ويعقبها الرعد ، فتنتعش في القلوب آمال المزارعين وتلهج الشفاه بالدعاء، غير أن كثيراً من تلك السحب كانت تمضي كما جاءت صاخبة الصوت قليلة الغيث فلا تترك وراءها إلا خيبة انتظار .

ومع الأيام أدركنا أن الحياة لا تختلف كثيراً عن السماء ففيها أيضاً طائرات تترك آثاراً تخدع العيون وسحب تصنع ضجيجاً بلا مطر وأحلام وردية لا تلبث أن تصطدم بصخور الواقع .

عندما اشتعلت الحرب لم يكن السودانيون يتوقعون أن تتحول الأيام إلى سنوات وأن يصبح النزوح عنواناً لملايين الأسر وأن تتبدل المدن إلى أطلال وأن تُستباح البيوت وتُنتهك الحرمات وتُنهب الممتلكات على مرأى من العالم.

خرج الناس وهم يظنون أن الغياب قصير وأن العودة قريبة ، لكن الحرب كانت أطول من أعمار كثير من الأحلام .

ثم جاء النصر بفضل الله و تضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة و المستنفرين وصبر المواطنين الذين تحملوا ما تعجز الجبال عن حمله .

بدأت المدن تتحرر وبدأت قوافل العائدين تعود إلى الديار تتقدمها أمنيات كبيرة لعل أعظمها أن يجدوا كل من تعاون مع المليشيات المجرمة المتمردة مشنوقا على أبواب المدائن قبل أن يدخلها السكان .

كان الناس يحلمون بأن كل من خان وطنه أو دلّ المليشيا على البيوت أو شارك في النهب، أو أرشد إلى السيارات والممتلكات، سيقف مصلوبا (أن يقتلوا أو يُصلبوا أو ينفوا من الارض ) لأن الأوطان لا تُبنى بالنسيان، ولا تُصان بالتغاضي عن الخيانة ، و من خان وطنه فقد خان عرضه ودينه ) ، خيانة الوطن من أقسى أنواع الغدر، وقد وصفتها الأمثال والحكم بأنها ذنب لا يُغتفر وخراب يشمل كل الوطن ، الله سبحانه حذّر من الخيانة بكل أشكالها، سواء كانت خيانة الأمانة، أو العهد، أو الوطن، أو الدين، فقال تعالى في ذلك: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، والوطن هنا أمانة، وقال محذراً الخائن: «وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ»، وموضحاً كراهيته له في قوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا»، و«وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ». رسول الله ﷺ، قال في الخائن: «آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان»، فالوطن هنا أمانة، وقال ﷺ متوعداً الغادر، أي الخائن: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ»، وتبرأ ﷺ من الخائن فقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا»، والغش هنا هو نوع من أنواع الخيانة للوطن ، وهناك خيانات حصلت على مر التاريخ، وأدت إلى سقوط أمم، منها الخيانة العظمى التي لا تزال ماثلة في الوجدان العربي والإسلامي، إنها خيانة الوزير مؤيد الدين بن العلقمي للخليفة المستعصم بالله، فخيانته أدت إلى سقوط بغداد في يد المغول، ليقوموا بعدها بواحدة من أبشع المجازر في التاريخ بقتلهم مئات الآلاف، وحرقهم مكتبة بغداد العظيمة. خيانة ابن العلقمي لم تنفعه بشيء، فلم يُنَصّبه هولاكو ملكاً كما كان يحلم، بل أبقاه ذليلاً تحت إمرته، وعاش ما بقي من حياته محتقراً من المغول، وقد روي أن امرأة مغولية رأته يركب دابته والناس يسبونه، فقالت له: «يا ابن العلقمي، أهكذا كان حالك في أيام ابن عمك، تقصد الخليفة؟»، وقيل إن جنود المغول كانوا يسخرون منه ويجبرونه على القيام بأعمال مهينة. مات الخائن ابن العلقمي بعد سقوط بغداد بأقل من عام، قهراً وندماً، بعد أن رأى بعينيه ضياع مجده وازدراء الجميع له، حتى من أسياده الذين خدمهم بخيانته. غالباً ما يتوهم الخائن أنه سينال شأناً عظيماً لدى من باع وطنه لهم، ولكن التاريخ يثبت أن الخونة يعيشون في ظلهم محتقرين، ويظل الخائن مطارداً بلعنة التاريخ، فلا يُذكر اسمه إلا مقترناً بالخزي والعار. الخائن لا يجب أن يفلت بجرمه، وقد أجمعت القوانين قديمها وحديثها على أن عقوبة خيانة الوطن هي الإعدام، مع مصادرة كل أملاك الخائن، وتجريده من كل حقوقه، ووصمه بعار أبدي ، هذا مصير كل خائن للوطن في كل القوانين ، ولكن في بلدي و بعد أن انجليزي غبار الحرب و عائد الناس إلي ديارهم

اصطدموا بواقع آخر ،عادوا ليجدوا وجوهاً يعرفونها جيداً، وجوهاً كانت بالأمس جزءاً من المأساة، فإذا بها اليوم تمارس حياتها وكأن شيئاً لم يكن ، عادوا ليجدوا المتعاون جاراً، والمخبر رفيق حي، ومن دلّ على البيوت يمر في الطرقات بلا وجل، بينما أصحاب الحقوق يطاردون ذكرياتهم بين الجدران المهدمة.

وليس السؤال هنا دعوة إلى الانتقام، فالانتقام لا يبني دولة، وإنما السؤال عن العدالة؛ لأن العدالة وحدها هي التي تبني الثقة بين المواطن ووطنه، وهي التي تمنع تكرار الجريمة، وهي التي تقول لكل من تسول له نفسه خيانة البلاد إن القانون أطول عمراً من الفوضى.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم بعد الحروب ليس الدمار المادي، وإنما أن يشعر الناس بأن الجرائم الكبرى يمكن أن تُطوى بلا حساب ، عندها تصبح الخيانة رأياً والنهب حادثة عابرة والتعاون مع العدو مجرد صفحة من الماضي بينما يبقى الضحايا وحدهم يحملون أوجاعهم ،

لقد علمتنا السماء أن ليس كل رعد يعقبه مطر، وأن ليس كل أثر أبيض خلف طائرة دليلاً على احتراق كما علمتنا الحياة أن ليست كل الأحلام الوردية قابلة للتحقق بمجرد انتهاء الحرب ،

فالحروب تنتهي بإسكات البنادق، أما الأوطان فلا تبدأ حياتها الجديدة إلا حين تتكلم العدالة، ويستعيد القانون هيبته، ويطمئن المواطن إلى أن دماء الشهداء وآلام النازحين ودموع الثكالى لم تكن ثمناً لمشهد ينتهي بعودة كل شيء إلى ما كان عليه .إن السودان اليوم لا يحتاج إلى سحب رعدية جديدة تملأ الأفق ضجيجاً، بل يحتاج إلى غيث العدالة… فالعدل وحده هو المطر الذي إذا هطل، أزهر الوطن من جديد .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى