مقال

 احمد حسن فضل يكتب: الوثيقة الدستورية 2019: “الغلطة” التي هندست الانقلاب

بعد ثلاث سنوات على انقلاب 25 أكتوبر، لا يزال النقاش يدور حول “من خان الثورة”. لكن السؤال الأدق الذي يتجنبه الكثيرون هو: “ما الذي سمح بالخيانة أصلاً؟”. الإجابة تكمن في نصوص باردة داخل الوثيقة الدستورية 2019، تحديداً في المادتين 15 و16. هاتان المادتان لم تنظما العلاقة بين المدنيين والعسكر، بل شرعنتا الصراع بينهما وجعلت الانقلاب خاتمة متوقعة.

رأسان” لجسد الدولة المتهالك

الخطيئة التأسيسية للوثيقة أنها خلقت سلطتين تنفيذيتين. المادة 16 تقول بوضوح إن “مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية العليا”. ممتاز. لكن المادة 15 تنسف هذا المبدأ من جذوره عندما تمنح مجلس السيادة حق أن يكون “القائد الأعلى للقوات المسلحة والدعم السريع”، وحق “رعاية عملية السلام”، وحق “اعتماد تعيين السفراء”.

النتيجة؟ حكومتان تتصارعان على الملفات السيادية. ملف الأمن له قائدان. ملف السلام له جهة تفاوض وتوقع هي مجلس السيادة، وجهة مطالبة بالدفع والتنفيذ هي مجلس الوزراء. ملف السياسة الخارجية له جهة تضع السياسة، وجهة أخرى تملك حق الفيتو على سفرائها دون سقف زمني. هذا ليس “توازن قوى”، هذا تصميم هندسي للشلل.

عندما غاب “الحكم”… حكم السلاح

الكارثة الأكبر أن مهندسي الوثيقة توقعوا هذا الصدام، لذا نصت المادة 31 على إنشاء محكمة دستورية تكون “الحكم” بين السلطتين. لكنهم ارتكبوا الخطأ القاتل الثاني: ربطوا تشكيل المحكمة بتوافق نفس الأطراف المتصارعة. والنتيجة؟ المكون العسكري عطّل قيام المحكمة لعامين كاملين، فغاب الحكم. وعندما يغيب حكم القانون، يحكم منطق القوة. وهذا ما حدث حرفياً فجر 25 أكتوبر.

رواندا وجنوب أفريقيا: لماذا نجوا؟

المقارنة مؤلمة. دستور رواندا 2003 حسم الأمر بنص لا لبس فيه: رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى ويمارس سلطاته عبر وزير دفاع مدني. دستور جنوب أفريقيا 1996 أوكل مهمة الانتقال كاملة للحكومة المدنية، وجعل المحكمة الدستورية صمام أمان فاعلاً منذ اليوم الأول. هم وحدوا مركز القرار، ونحن قسمناه. هم احتكموا للقضاء، ونحن احتكمنا للبندقية.

ثلاثة مسامير في نعش أي انتقال قادم

إن أردنا ألا نلدغ من ذات الجحر مرتين، فأي وثيقة دستورية جديدة يجب أن تدق ثلاثة مسام.

بقلم : الاستاذ احمد حسن محمد فضل «وزير التربية والتوجيه الأسبق لولاية كسلا» و باحث قانوني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى