
عودة المشاريع المروية في
السودان ….. عودة الروح!!!!
لن نمل الحديث عن الزراعة ولن نمل الحديث عن المشاريع المروية ولن نمل الحديث عن مشروع الجزيرة فتلك رسالة وفيها خلاص السودان وبها يتحقق الرخاء ويتعافى اقتصادنا فنحن واد زي زرع .
لم تسقط المشاريع المروية في السودان بسبب الجفاف، ولم تجف أنهار النيل التي منحتها الحياة لأكثر من قرن، وإنما سقطت بفعل الإهمال، وسوء الإدارة، وغياب الرؤية، ثم جاءت الحرب لتوجه إليها الضربة القاصمة.
هذه ليست قصة مشروع زراعي تعثر، وإنما قصة وطن فقد أهم أدوات إنتاجه، وأضاع ثروة كان يمكن أن تجعله من أكبر مصدري الغذاء في العالم.
كان السودان يمتلك واحدة من أعظم منظومات الري الانسيابي في القارة الأفريقية. فمن مشروع الجزيرة والمناقل، الذي يمتد على أكثر من 2.2 مليون فدان، إلى الرهد وحلفا الجديدة والسوكي، كانت ملايين الأفدنة تُروى سنوياً من مياه النيل، وتنتج القطن والقمح والذرة والفول السوداني والخضر والأعلاف، وتوفر فرص العمل لملايين السودانيين، وتغذي عشرات المصانع، وتدر العملات الأجنبية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.
ولم يكن مشروع الجزيرة مجرد حقول زراعية، بل كان دولةً مصغرة داخل الدولة؛ شبكة ري يزيد طولها على ثمانية آلاف كيلومتر، وسكة حديد داخلية، ومحالج، ومخازن، وورش هندسية، ومراكز أبحاث، ومدارس، ومستشفيات، وأسواق، وخدمات اجتماعية، ومنظومة اقتصادية متكاملة جعلت منه أكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة في أفريقيا، وأحد أهم المشاريع الزراعية في العالم.
في تلك السنوات، كان السودان يصدر القطن طويل التيلة إلى الأسواق العالمية، وكانت الزراعة تساهم بالنصيب الأكبر من الصادرات، وكانت المشاريع المروية تمثل شرياناً رئيسياً للنقد الأجنبي، وتوفر الغذاء والمواد الخام للصناعة، وتحقق الاستقرار الاجتماعي في الريف.
ثم بدأ الانحدار…
تراكم الطمي في القنوات، وتهالكت البوابات، وتعطلت الآليات، وضعفت البحوث الزراعية، وتراجع التمويل، وتعددت الجهات المتحكمة في القرار، وغابت المحاسبة، حتى أصبحت المشاريع التي كانت مصدر فخر للسودان عاجزة عن ري مساحاتها، ناهيك عن المنافسة في الأسواق العالمية.
وجاءت الحرب لتكشف حجم المأساة فقد تعطلت مواسم زراعية كاملة، ونزح آلاف المزارعين، وتعرضت البنية التحتية للتخريب، وانقطعت سلاسل الإمداد، وتوقفت الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي، وأصبح الأمن الغذائي نفسه مهدداً.
إن خسارة المشاريع المروية ليست مجرد خسارة في الإنتاج الزراعي، بل هي خسارة في الناتج المحلي، والصادرات، وفرص العمل، والاستقرار الاجتماعي، والأمن القومي. وكل موسم زراعي يضيع يعني مليارات الدولارات من الدخل المفقود، وآلاف الأسر التي تفقد مصدر رزقها، ومزيداً من الاعتماد على استيراد الغذاء من الخارج.
لكن السودان ما زال يمتلك فرصة تاريخية للعودة، لأن عناصر القوة لم تختفِ. فالأرض ما زالت خصبة، ومياه النيل ما زالت تجري، والخبرة الزراعية لم تنقرض، والأسواق الإقليمية والعالمية تبحث عن الغذاء أكثر من أي وقت مضى.
غير أن العودة لن تتحقق بترقيع القنوات أو إطلاق الوعود، وإنما بإعلان مشروع قومي لإحياء المشاريع المروية، يكون في مقدمة أولويات إعادة إعمار السودان، ويشمل إعادة تأهيل شبكات الري، وتحديث الإدارة، وإدخال الزراعة الذكية، وتمويل المزارعين، واستقطاب استثمارات عربية ودولية، وإنشاء صناعات تحويلية في مناطق الإنتاج، وربط الزراعة بالتصدير والقيمة المضافة.
إن العالم اليوم لا يبحث عن النفط بقدر ما يبحث عن الغذاء، والسودان يمتلك المقومات التي تؤهله ليكون قوة زراعية كبرى إذا أحسن إدارة موارده وأن الأمن الحقيقي يبدأ من الحقل قبل أن يبدأ من الثكنة، وأن القنوات التي تحمل الماء إلى الأرض أهم أثراً في مستقبل الشعوب من كثير من الخطابات السياسية.
لقد آن الأوان أن يتحول ملف المشاريع المروية من بند هامشي في الموازنات إلى قضية أمن قومي، وأن يُعامل كما تُعامل مشاريع الطاقة والموانئ والطرق، لأن من يملك غذاءه يملك قراره، ومن يهمل أرضه يفتح أبواب الفقر والارتهان.
إن إعادة الحياة إلى المشاريع المروية ليست ليس حلاً اقتصادياً فحسب ، بل هي معركة السودان الكبرى في مرحلة ما بعد الحرب. فإذا نجح السودان في إعادة الماء إلى القنوات، أعاد معه الإنتاج، والعمل، والصادرات، والاستقرار، والأمل.
قبل اندلاع الحرب، كانت المشاريع المروية تمثل القلب النابض للقطاع الزراعي السوداني، وهو القطاع الذي ظل يسهم بنحو 30–40% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر سبل العيش لأكثر من 60% من السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بينما شكّلت المنتجات الزراعية تاريخياً ما بين 80 و90% من الصادرات غير النفطية في فترات ما قبل الطفرة النفطية. وتشير تقارير المؤسسات الدولية إلى أن المساحات المروية، التي لا تتجاوز نحو 5 ملايين فدان، كانت تنتج ما يقارب نصف القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي بفضل إنتاجيتها العالية مقارنة بالزراعة المطرية، كما كانت المصدر الرئيس لإنتاج القطن والقمح وقصب السكر والعديد من المحاصيل النقدية.
وفي قلب هذه المنظومة، وقف مشروع الجزيرة والمناقل شامخاً على مساحة تقارب 2.2 مليون فدان، يمثل وحده نحو 47% من الأراضي المروية في السودان، ويسهم بما يقارب 7% من الناتج الزراعي وحوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض التقديرات، فيما كان ينتج غالبية القطن طويل التيلة، ونسباً كبيرة من القمح والفول السوداني والذرة، ويوفر فرص العمل والدخل لما يزيد على خمسة ملايين مواطن بين مزارعين وعمال وحرفيين ومقدمي خدمات. ولم يكن مشروع الجزيرة مجرد مشروع زراعي، بل كان منظومة اقتصادية متكاملة تغذي المحالج، ومصانع الزيوت، والنقل، والتجارة، والقطاع المصرفي، وتشكل ركيزة أساسية للنقد الأجنبي.
لكن هذا الإرث الهائل انهار تدريجياً تحت وطأة الإهمال وسوء الإدارة وضعف الاستثمار، قبل أن تأتي الحرب فتدمر ما تبقى من البنية التحتية، وتوقف آلاف المزارعين عن الإنتاج، وتحول القنوات التي كانت تنقل الحياة إلى حقول السودان إلى قنوات مهجورة. واليوم، فإن إعادة تأهيل المشاريع المروية ليست مجرد خطة زراعية، بل هي أكبر مشروع اقتصادي يمكن أن يعيد بناء الاقتصاد السوداني، ويخفض فاتورة استيراد الغذاء، ويرفع الصادرات، ويوفر ملايين فرص العمل، ويعيد للسودان مكانته الطبيعية كواحد من أهم بلدان الإنتاج الزراعي في أفريقيا والعالم.
فالأوطان لا تموت عندما تتوقف الحروب، بل تحيا عندما تعود الأرض إلى العطاء، ويعود المزارع إلى حقله، ويعود الماء إلى القنوات التي صنعت مجد السودان ذات يوم.

