تحقيقات وتقارير

نادر حلفاوي يكتب : عبدالله قرناص.. حين يرحل الرجال الذين يشبهون حلفا

«رحل الرجل وبقيت مبادراته شاهداً على نُبله»

حلفا الجديدة – نادر عبدالله … برحيل عبدالله حسن محمد إبراهيم قرناص، فقدت حلفا الجديدة، بجديدها وقديمها، واحداً من ركائزها الاجتماعية والوطنية، ورجلاً من أنبل الرجال الذين تركوا بصماتهم في وجدان أهلها، وظلوا حاضرين في مناسباتها الرسمية والاجتماعية، وفي تفاصيل قضاياها وهمومها اليومية.
ولذلك لم يكن مشهد الوداع الذي شهدته القرية (15)، مسقط رأس الراحل، مجرد تجمع لتشييع فقيد، بقدر ما كان استفتاءً حقيقياً على مكانته الرفيعة في قلوب الناس، ودليلاً على حجم المحبة والتقدير اللذين حظي بهما طوال مسيرته.
في صبيحة الأربعاء الرابع من نوفمبر، حملت الأنباء الحزينة خبر رحيل القامة النوبية والقيادي المجتمعي عبدالله قرناص، بالعاصمة المصرية القاهرة، التي غادر إليها لإجراء بعض الفحوصات الطبية، بعد أن أنهكه التعب وكثرة المشاوير والترحال بين الناس، حاملاً هموم حلفا وأهلها، ومتابعاً لقضاياهم أينما كان.
لم تكن القاهرة، رغم وجوده فيها، قادرة على إبعاده عن تفاصيل الحياة في حلفا ومشاكلها . فقد ظل يتواصل مع الشخصيات والقيادات في القرى ، ويتفقد أحوال الناس، ويسأل عن أحوالهم، وكأن المسافات لم تكن تعني له شيئاً.
وقبل رحيله بأيام، أبلغني عمي الأستاذ سر الختم صادق سليمان أن الراحل حاول الاتصال بي أكثر من مرة، غير أن ضعف شبكة الإنترنت الذي نعاني منه في القرية 33 فرس شرق حال دون ذلك. وبعد أن تمكن من الوصول إليّ عبر هاتف الاستاذ سرالختم صادق ، كان حديثه كعادته مليئاً بالود والاهتمام، سأل عن أحوالنا وعن إخوتي ، ولم ينس صحيفة «صوت البلد»، التي كان يصفها دائماً بأنها «صوت أهل حلفا».
كما أصر على الحديث مع صديقه رمضان صالح علي، ولم يكتفِ بالسؤال عنه، بل أصر الحديث اليه ، فلبينا رغبته ونجحنا في الوصول لرمضان .
ومن المواقف التي يصعب أن أنساها للراحل مبادرته الإنسانية بشأن مرتبات معلمي محلية حلفا الجديدة، قبل أكثر من عامين، حين دعاني إلى مكتبه لأمر وصفه بالضروري. وعندما ذهبت إليه، علمت أنه بمكتب صديقه الدكتور بكري ربيع، وهناك طرح علي فكرة تبني مبادرة باسم تجار المدينة للمساهمة في دفع استحقاقات المعلمين، الذين ظلوا لأكثر من عام دون صرف مرتباتهم، بينما كان العيد يقترب.
كانت مبادرة عمنا عبدالله قرناص تقوم على تكفل تجار حلفا بدفع مستحقات المعلمين على أن تتم تسوية المبالغ لاحقاً، سواء بعد توقف الحرب أو بخصمها من مستحقات المحلية للتجار عبر الضرائب والرسوم أو بأي صيغة يتفق عليها. وبالفعل، طرح الراحل المبادرة على المدير التنفيذي للمحلية وقتها، الراحل عادل، لكن الولاية رفضتها بحجة عدم الدخول في التزامات مالية مع التجار.
لم تكن تلك المبادرة سوى واحدة من مبادرات كثيرة حملها عبدالله قرناص، انطلاقاً من إيمانه بأن المسؤولية تجاه المجتمع لا تقتصر على المناصب أو الشعارات، وإنما تتجسد في المبادرة والعمل والبحث عن حلول لمعاناة الناس.
ومن الذكريات التي تعود إليّ الآن، زيارتي برفقة صديقي داوود عبدة داوود إلى مكتبه، لتسجيل عدد من الحلقات معه، توثيقاً لحياته وتاريخ حلفا. استقبلنا بضحكته المعروفة، ثم بادرنا مازحاً: «إنتو خايفيني أموت ولا كبرت خلاص؟»، قبل أن يؤكد أن هناك من هم أكثر معرفة بتاريخ حلفا، وذكر من بينهم عمنا احمد النوبي وعدداً من فطاحلة المنطقة، في تواضع يعكس شخصيته، رغم ما كان يمتلكه من تجارب ومعرفة وحضور.
رحل عبدالله قرناص، لكن حلفا ستظل تتذكر رجلاً جعل من علاقاته بالناس مسؤولية، ومن انتمائه لقضاياهم سلوكاً يومياً، ومن المبادرات طريقاً لخدمة مجتمعه.
لم يكن الراحل مجرد قيادي نوبي أو شخصية اجتماعية عابرة، بل كان أحد الوجوه التي جمعت بين الناس، وحملت همومهم، وسعت إلى معالجة قضاياهم. وسيظل مشهد وداعه في القرية (15) شاهداً على أن قيمة الرجال لا تقاس بما يشغلونه من مواقع، وإنما بما يتركونه من محبة وأثر طيب في حياة الآخرين.
رحم الله عبدالله قرناص، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وأصدقاءه ومحبيه وأهل حلفا جميعاً الصبر وحسن العزاء. وتعازينا لاخوانه محمد وعبد الخالق ولابنائه محمد وعدنان وعمر .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى