تحقيقات وتقارير

من قاعات الجامعات إلى سوق الخضار.. قصة رحلة أستاذ جامعي في مواجهة الحرب في القصارف

حاوره / السمؤال محمد يوسف

مع نشوب الحرب في السودان وجد العديد من الشباب والرجال أنفسهم في دوامة مابين البطالة القسرية والنزوح القسري.

ووسط هذا الانقسام بين من يحاول الهجرة للخارج ومن يبتعد عن المشهد الداخلي تظهر فئة أخرى تعمل على إعادة بناء نفسها من داخل هذا الواقع بوسائل قد تبدو بسيطة، ولكنها تعكس وعياً بمحدودية الخيارات وإصراراً على إيجاد موطئ قدم. 

من بين هذه النماذج النادرة والناجحة الدكتور النور عبد المجيد الذي اجبرته الحرب على مغادرة قاعات التدريس بالجامعات والمراكز العلمية إلى العمل بالسوق بائعا للخضروات بأحد أسواق مدينة القضارف السودانية شرقي البلاد.. 

حيث وضع أمامه شعار بأن الكرامة لاتتبدل بتبدل المواقع وان العمل مهما تغير شكله يظل فعلا للصمود وان الأمل لايمكن لرياح اليأس ان تطفئه مهما اشتدت.. نموذج الدكتور النور يظل نبراسا لرجل لم تقعده الظروف ولم يسستلم لواقع معين.

 * جامعةالخرطوم نقطة البداية

 إن التعيين في الجامعة هو هدف لكل طالب متميز في دراسته.. لذلك فرحت عندما تم تعييني مساعد تدريس في قسم الاحياء بكلية التربية جامعة الخرطوم في مايو ١٩٩٣م ؛ ثم محاضرا في ابريل ١٩٩٨م. ومن ثم انتقلت للعمل الى كلية المعلمين في الرياض (جامعة الملك سعود) متعاقدا ؛ شأن أغلب أساتذة الجامعات في تلك الحقبة لإكتساب خبرات جديدة وتحسين الوضع المعيشي لفترة محدودة، ثم الرجوع للسودان أكثر استقراراً وقدرة على العطاء الثر والمتميز.

 * تجربتي بالجامعات السعودية كانت ثرة ومفيدة كثيرا

وقال د. عبدالحميد ، عملت معيدا في قسم علم الأحياء بكلية المعلمين في الرياض (جامعة الملك سعود) ابريل١٩٩٨ – اغسطس ٢٠٠٩م. ثم عضو هيئة تدريس بقسم علم الاحياء كلية العلوم جامعة حائل سبتمبر ٢٠٠٩ – اغسطس ٢٠١٩م. وكانت تجربة اكاديمية ومهنية وبحثية جيدة؛

 حيث كنت مشاركا في لجان البرامج الأكاديمية وارشاد الطلاب والجودة.. الخ.. وكذلك تنفيذ العديد من المشاريع البحثية (خاصة انتشار الطفيليات بواسطة الطيور والخضروات المأكولة نيئة).

 حلم العودة للتدريس بجامعة الخرطوم بعد الرجوع من الاغتراب

وتابع ، بعد الرجوع للسودان في العام ٢٠٢٠ تعذر الانخراط للعمل بجامعة الخرطوم. منعت الكثير من المتغيرات سلاسة الحياة لكل السودانيين والتي من اهمها التحولات والاضطرابات السياسية في السودان وجائحة كورونا.

إلتحقت بجامعة القضارف في نوفمبر ٢٠٢٠م وحتى اغسطس ٢٠٢١م، حيث شغلت منصب نائب أمين الشؤون العلمية بالجامعة. 

وقدمت استقالتي منها لظروف لم يكن بالإمكان تجاوزها لأكون في الخرطوم.. حيث أن أحد ابنائي كان كثير المرض ويجب أن أكون بقربه وممارضته . وقدر الله سبحانه وتعالى وفاته بعد ذلك، وبعد امتحانه للشهادة الثانوية.. 

 * عملت سائق تاكسي

واضاف د. النور عبد الحميد ولاحقا طرقت أبواب العديد من الجامعات الخاصة (وحتى المدارس الثانوية) ولم يكتب الله لي التوظيف.. بعد ذلك عملت سائق تاكسي بسيارتي الخاصة حتى إندلاع الحرب.

 * حلم العودة لجامعة الخرطوم مرة اخرة

 بعد تغيير ادارة جامعة الخرطوم بالأدارة الحالية تواصل معي أخي وصديقي البروف عميد كلية التربية الحالي مشكورا للتقديم مرة اخرى للرجوع للجامعة.. وبدأت تدريس طلاب البكالريوس والدراسات العليا (متعاونا).. وتعذر رجوعي للخدمة بالجامعة مرة أخرى باعتذار من السيد مدير الجامعة.

من المؤلم حقا أن تمتلك ما يمكنك أن تفيد به الناس، ثم تمنع تصورات ورؤى من بيدهم القرار النهائي من تحقيق ذلك (ولم ار في عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام).

 * بسبب الحرب تركت العمل الأكاديمي واتجهت لبيع الخضار

ويضيف عبد الحميد،  بعد تعذر الرجوع للتدريس الجامعي قبل الحرب بدأت في انشاء “مركز الدكتور النور الاكاديمي” للخدمات والاستشارات التعليمية لجميع المراحل في منزلي بما تبقى من مدخرات الاغتراب؛ حيث قمت بدمج شقتين مفروشتين في الدور الثاني واجراء التعديلات اللازمة لإنشاء المركز. كذلك تم وضع الخريطة البرامجية للمركز وإستخراج التصاديق من الجهات المختصة، ثم اندلعت الحرب في نفس اليوم المقرر لافتتاح المركز.. وقضت على كل شيء مادي، وسلمت الأرواح والعزيمة.. ولله الحمد. جئت بعد ذلك إلى أهلي بالقضارف ودخلت إلى سوق الخضار بعون الله وعون زملائي الجدد بائعي الخضار ولله الحمد وجزاهم الله خيرا.

العمل الأكاديمي يناسب قدراتي ولا يغطي غلاء المعيشة

 إن العمل الاكاديمي والبحثي هما أكثر ما يناسب قدراتي وتأهيلي وبهما أستطيع خدمة الناس من حولي والإنفاق عليهم ويتحقق لي الرضا (حيث أرى أن الإنفاق على الناس يجب أن يكون من جنس النعمة التي انعم الله بها على الانسان). لكن مما يؤسف له – في الوقت – أن ذلك لن يوفر الدخل الكافي لمجابهة الظروف المعيشية. لذلك أرى اذا تيسر لي الوصول إلى سعة مالية بالتوسع في عملي في بيع الخضار، او مزاولة عملي الخاص في مركز الدكتور النور الاكاديمي؛ فيمكن بعد ذلك أن اقتطع من وقتي وأمارس العمل الأكاديمي (ولا يهم بعد ذلك مُعَيَّنا او متعاونا بمقابل أو بالمجان).

 * الصبر والإصرار

ويواصل الدكتور في حديثه :  الحياة لا تسير كما يحب الانسان.. هي ليست جنة ليدوم صفاؤها كما يود.. فهي ملأ بالشدائد.. لذا علي الإنسان الصبر والإصرار وعدم الشعور باليأس والاحباط.. وكل شدة ستنجلي يوما بيسر من الرحمن  

 *هذه رسالتي للشباب* 

ان يجلس الإنسان (غير المعذور) بلا عمل، فهذا أمر لا يستقيم في دين الله سبحانه وتعالى.. لأن العمل عبادة.. ومن لم يحترم نفسه بوضعها في مسلك الخير فلن يحترمه الآخرون.. اما مسألة العودة الى الوطن فهي تقدير شخصي يختلف باختلاف ظروف الناس.. والأهم الا يكون الشخص سَبَهْللا.. وقد رُوي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنِّي لأكرهُ أن أرَى أحدَكم فارغًا سَبَهْللًا لا في أمرِ دنيا ولا في أمرِ آخرةٍ) 

 * (السيرة الذاتية)

النور عبد المجيد علي مواليد مدينة القضارف ١٩٦٧م.. حيث كل المراحل الدراسية الاولية .. بكالريوس العلوم والتربية في العلوم البيولوجية- (مرتبة الشرف الأولى) كلية التربية جامعة الخرطوم ١٩٩٣م.. ماجستير العلوم البيولوجية (تخصص علم الطفيليات والنواقل) جامعة الخرطوم ١٩٩٨م..

 ماجستير التربية في مناهج وطرق تدريس العلوم جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ٢٠٠٤م.. دكتوراة في العلوم البيولوجية (تخصص علم الطفيليات والنواقل) جامعة الخرطوم ٢٠٠٨م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى