
حد القول
بقلم: حسن السر
سورة القصص: دروس الماضي لبناء حاضرٍ واعٍ
سُمّيت سورة القصص لأن الله تعالى ذكر فيها قصة موسى عليه السلام مفصلةً موضحةً منذ ولادته وحتى بعثته بالرسالة، وفيها من غرائب الأحداث العجيبة ما يتجلى فيه بوضوح عناية الله بأوليائه وخذلانه لأعدائه. وهي من السور المكية التي تحمل بين آياتها قصصًا عظيمة، أبرزها قصة موسى منذ ولادته وحتى مواجهة فرعون، لتكون مرآةً تعكس سنن الله في الكون، وتُظهر كيف تتكرر أحداث التاريخ في صور مختلفة عبر العصور. هذه السورة ليست مجرد سردٍ تاريخي، بل هي منهج حياة يربط الماضي بالحاضر ويمنحنا بوصلةً للمستقبل.
ومن قمة البلاغة في هذه السورة قوله تعالى:
﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليكِ وجاعلوه من المرسلين﴾،
فقد جمع الله في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين، لتكون مثالًا على الإيجاز المعجز الذي يختصر رحلة الخوف والرجاء، ويمنح الطمأنينة في قلب أمٍ ضعيفة تواجه محنة عظيمة.
المحاور الأساسية في السورة
– الضعف يتحول إلى قوة: تبدأ القصة بطفلٍ ضعيف يُلقى في اليم، لينشأ لاحقًا قائدًا يواجه أعتى طاغية في التاريخ.
– الطغيان إلى زوال: فرعون الذي امتلك السلطة والمال والجبروت، انتهى غارقًا في البحر، ليبقى درسًا خالدًا أن الظلم لا يدوم.
– الهجرة والتمكين: خروج موسى من مصر إلى مدين كان بدايةً لمرحلة جديدة من التكوين والتمكين، وهو درس في أن المحن قد تكون أبوابًا للفرج.
– القصص للعبرة لا للتسلية: السورة تؤكد أن الغاية من القصص القرآني هي الاعتبار والتأمل، لا مجرد المعرفة.
الربط بالواقع اليوم
– الظلم والطغيان: ما زالت البشرية تشهد صورًا متعددة من الاستبداد والفساد، وسورة القصص تذكّرنا أن مصير الظالمين إلى زوال مهما طال الزمن.
– الهجرة واللجوء: ملايين البشر اليوم يتركون أوطانهم بسبب الحروب والاضطهاد، وقصة موسى تبرز أن الهجرة قد تكون بدايةً لمرحلة جديدة من العطاء والتمكين.
– القوة في الحق: في زمنٍ تغلب فيه المصالح المادية، تعلمنا السورة أن القوة الحقيقية ليست في المال أو السلطة، بل في التمسك بالحق والصبر على الطريق.
– الأمل رغم المحن: كما نجّى الله موسى من بطش فرعون، فإن الأمل يظل قائمًا لكل من يسعى للعدل والحرية.
الدروس المستفادة
– الثقة في وعد الله مهما بدا الواقع مظلمًا.
– الصبر على الابتلاءات طريقٌ للتمكين.
– مقاومة الظلم واجب إنساني وشرعي.
– الاعتبار من التاريخ ضرورة لتجنب تكرار الأخطاء.
آخر القول
سورة القصص ليست مجرد قصة، بل هي رسالة متجددة لكل جيل: أن الحق ينتصر، وأن الظلم إلى زوال، وأن الهجرة قد تكون بدايةً للتمكين، وأن الأمل لا ينقطع مهما اشتدت المحن. وهي بحق سورةٌ تحمل بين آياتها من غرائب الأحداث ما يُظهر عناية الله بأوليائه وخذلانه لأعدائه، وتكشف في بلاغتها المعجزة كيف يُختصر في آية واحدة منهج حياة كامل، لتكون دعوةً للتأمل في سنن الله وربطها بواقعنا، لنصنع حاضرًا أكثر وعيًا وعدلًا.
كسرة
التلت لاح
ريح برقو فاح
وين الفلاح


