مقال
أخر الأخبار

مهد الحروف د.هيثم حسن عبد السلام  خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com   بين الصحة والنزهة بروح الفريق نحمي المستهلك

مهد الحروف

د.هيثم حسن عبد السلام

خبير شؤون المستهلك

mismawia@yahoo.com

 

بين الصحة والنزهة

بروح الفريق نحمي المستهلك

 

في معركة حماية المستهلك، لا مكان للبطولات الفردية ولا لرايات (الأنا) المرتفعة. فالسوق لا تُضبط بجهة واحدة، ولا تُصان حقوق الناس بروح العصبية المهنية، وإنما تُحرس بمنهج مؤسسي يقوم على التنسيق، وتكامل الأدوار، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات ضيقة. وحين تتوحد الجهود، تتراجع الفوضى، ويعلو صوت القانون، ويطمئن المستهلك.

إن العمل في مجال حماية المستهلك بطبيعته عمل عابر للتخصصات؛ تتداخل فيه الأبعاد القانونية والرقابية والفنية والصحية والإعلامية. لذلك فإن أي محاولة للانفراد بالمشهد أو احتكار الدور لا تنتج إلا فجواتٍ تتسلل منها المخالفات. أما حين تتشابك الأيدي، فإن الرقابة تصبح أكثر إحكاماً، والرسالة أكثر وضوحاً، والأثر أكثر عمقاً في الشارع العام.

لقد قدمت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس نموذجاً عملياً لهذا الفهم عبر تفعيل اللجنة القومية لشؤون المستهلكين، التي جمعت كل ألوان الطيف المجتمعي في السودان؛ من أجهزة نظامية، وجهات عدلية، ومنظمات مجتمع مدني، وخبراء ومختصين، تحت راية فريق موحد لحماية المستهلك. لم يكن الهدف توزيع الأدوار بقدر ما كان توحيد البوصلة، وترسيخ ثقافة الشراكة، وتجاوز الحساسية المؤسسية التي تُضعف الأداء وتشتت الجهود.

غير أن اكتمال هذه المنظومة يظل رهيناً بانضمام جميع الأطراف ذات الصلة، وعلى رأسها وزارة الصحة. فغيابها عن طاولة اللجنة القومية لشؤون المستهلكين أمر يثير الحيرة؛ – رغم وجودها في سنوات سابقة – ، إذ إن البعد الصحي يمثل ركناً أصيلاً في حماية المستهلك، لا يقل أهمية عن الضبط القانوني أو المعايرة الفنية. فالسلعة المخالفة قد تستوفي الشكل، لكنها إن أخلّت بالاشتراطات الصحية، فإن ضررها يتجاوز الخسارة المادية إلى تهديد مباشر لصحة المجتمع.

إن استجابة وزارة الصحة للانضمام إلى هذه اللجنة لن تكون مجرد إضافة عددية، بل قيمة نوعية تعزز الرقابة الصحية على السلع، وتدعم التنسيق في التفتيش المشترك، وتُسرّع إجراءات التعامل مع المخاطر الغذائية والدوائية وسلامة المنتجات. كما أن وجودها يعمق مفهوم “الصحة الوقائية” داخل الأسواق، ويجعل القرارات أكثر شمولاً واتساقاً.

لقد تجلت روح التنسيق المؤسسي بوضوح في العملية المشتركة التي نُفذت بولاية الخرطوم ضمن الحملة القومية «نحو مستهلك آمن في رمضان»، حيث أثمر التنسيق المحكم بين مباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك والهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس – فرع الخرطوم – عن إسقاط شبكة تلاعب بأوزان السكر بمنطقة الكلاكلة القطعية.

هذه العملية لم تكن مجرد ضبطية رقمية، إنما رسالة عملية مفادها أن التنسيق حين يكون حقيقياً لا شكلياً، يتحول إلى قوة ردع. فالمباحث تمتلك أدوات التحري والمتابعة الميدانية، والمواصفات تمتلك الخبرة الفنية والضبط القياسي والمعايرة، وعند اجتماع السلطتين التنفيذية والفنية، تُغلق الدائرة أمام أي محاولة للغش أو التلاعب. ومع انضمام وزارة الصحة، تكتمل الحلقة الرقابية بثلاثية القانون والمواصفة والصحة.

إن أخطر ما يهدد منظومة حماية المستهلك ليس فقط المخالفات في الأسواق، ولكن التنازع الصامت بين الجهات، أو التنافس غير الصحي على الأضواء. فالعصبية المهنية تُضعف الثقة، وروح (الأنا) تُبدد الجهد، بينما روح الفريق تبني مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار.

وفي ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، تتضاعف أهمية هذا التنسيق؛ لأن أي تلاعب في سلعة استراتيجية لا يمس جيب المستهلك فحسب، بل يمس استقراره الغذائي والاجتماعي. ومن هنا فإن استدامة الحملات الرقابية، وتبادل المعلومات، وتوحيد الخطاب التوعوي، وتمثيل القطاع الصحي داخل اللجنة القومية لشؤون المستهلكين ، تمثل ركائز أساسية لحماية الأسواق.

إن حماية المستهلك ليست شعاراً موسمياً، إنما ثقافة مؤسسية دائمة. (وكما يقول الصديق العزيز د.ياسر ميرغني : حماية المستهلك ليست نزهة) وهي مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمجتمع، وبين الرقابة والوعي. لذلك تبقى المناشدة قائمة لكل جهة لم تلتحق بعد بركب التنسيق أن تبادر بالانضمام، ولكل مستهلك أن يكون شريكاً في الحماية عبر التبليغ الفوري عن أي مخالفات عبر الرقم 5960، فالعين الشعبية حين تسندها مؤسسات منسقة وفاعلة، تصبح أقوى أدوات الرقابة.

هكذا تُكتب ملامح السوق السوداني المنضبط لا بصوتٍ واحد، بل بمجموعة متناسقة؛ ولا بجهةٍ متفردة، بل بفريقٍ موحد… نحو مستهلك آمن في رمضان، ونحو منظومة رقابية تتقدم بروح الشراكة لا بروح الأنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى