
حد القول
بقلم: حسن السر
التكاثر بين وهم الدنيا وكرامة الوطن
سورة التكاثر من السور القصيرة في القرآن الكريم، لكنها تحمل رسالة عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان. يقول الله تعالى: “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ”، وهي آية تضع الإنسان أمام حقيقة أن الانشغال بجمع المال والجاه والسلطة قد يُنسيه رسالته الكبرى في الحياة، ويصرفه عن القيم التي تحفظ كرامته ومجتمعه.
سورة التكاثر مكية، تتحدث عن انشغال الناس بمغريات الحياة وتكالبهم على جمع حطام الدنيا حتى يقطع الموت عليهم متعتهم ويأتيهم فجأة وبغتة، فينقلهم من القصور إلى القبور.
قال تعالى: “ثم لتسألن يومئذ عن النعيم”، أي عن نعيم الدنيا من الأمن والصحة وسائر ما يتلذذ به الإنسان من مطعم ومشرب ومركب ومفرش وغيرها. وقد روى الترمذي عن عبد الله بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: “ألهاكم التكاثر”، فقال: (يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت).
وعند ربط هذه المعاني بالواقع السوداني، نجد أن معركة الكرامة التي يخوضها الشعب ليست مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية، بل هي مواجهة مع “التكاثر” بمعناه الواسع: تكاثر المصالح الضيقة، تكاثر الطموحات الفردية على حساب الجماعة، وتكاثر النزاعات التي تُضعف وحدة الصف. فكما أن التكاثر في الدنيا يُلهي الإنسان عن الآخرة، فإن التكاثر في المصالح يُلهي الأمة عن معركتها الأساسية وهي معركة البقاء والكرامة.
السودان اليوم يقف أمام اختبار حقيقي: هل ينشغل أبناؤه بتكاثر الانقسامات والبحث عن مكاسب شخصية، أم يتجاوزون ذلك نحو بناء وطن يحفظ كرامة الجميع؟ إن سورة التكاثر تذكّرنا أن النهاية واحدة، وأن ما يبقى هو العمل الصالح والذكر الطيب، لا الأموال ولا المناصب. وفي معركة الكرامة، يبقى ما يقدمه السودانيون من تضحية وصبر ووحدة هو رأس المال الحقيقي الذي يُكتب في صحائف التاريخ.
آخر القول
إن رسالة سورة التكاثر ليست مجرد وعظ ديني، بل هي بوصلة أخلاقية وسياسية يمكن أن توجه الشعوب في أوقات الأزمات. وفي السودان، حيث تُخاض معركة الكرامة، يصبح تجاوز وهم التكاثر والتمسك بالقيم الجامعة هو الطريق الوحيد للنصر الحقيقي. فكرامة الوطن لا تُبنى على كثرة الأموال أو تعدد الولاءات، بل على وحدة الصف والإخلاص في العمل، ليبقى السودان شامخًا رغم التحديات.
كسرة
الموت يأتي بغتة
والقبر صندوق العمل



