تحقيقات وتقارير

مستشفى حلفا الجديدة.. صرخة إنذار قبل انهيار الخدمات الصحية

خصومات تتجاوز 20 مليون جنيه شهرياً لصالح الولاية

نقص في أدوية الطوارئ وتعطل أجهزة العناية المكثفة وبنك الدم

حلفا الجديدة – نادر عبدالله 
لم تعد أزمة مستشفى حلفا الجديدة مجرد نقص في الأدوية أو ارتفاع في تكاليف التشغيل، بل باتت تهديداً مباشراً لاستمرار الخدمات العلاجية التي يعتمد عليها آلاف المواطنين في حلفا الجديدة والمحليات المجاورة. فالمستشفى الذي شُيد قبل نحو خمسين عاماً، وظل يؤدي دوره في تقديم الخدمات الطبية لأكثر من أربع محليات، يواجه اليوم أزمة تشغيلية حادة، دفعت مديره العام، الدكتور محمد مصطفى جيش، إلى إطلاق نداء استغاثة لإنقاذه من الانهيار، وسط مخاوف من توقف الخدمات بصورة كاملة إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
وخلال جولة ميدانية داخل المستشفى، وقفت « صوت البلد » وموقع « ارتي ميديا » على جوانب من الأزمة التي تضرب أقسامه المختلفة، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف الوقود والكهرباء والأدوية ومستلزمات العمليات الجراحية والطوارئ، مقابل إيرادات لا تكفي لتغطية النفقات التشغيلية وتكاليف النبطشيات معاً، فضلاً عن غياب الدعم المالي الكافي من الجهات المختصة.
ووفقاً للمعلومات التي حصلت عليها الصحيفة، فإن المستشفى يواجه معادلة مالية معقدة؛ إذ تُخصم من إيراداته مبالغ تتجاوز 20 مليون جنيه شهرياً، بدلاً من توجيه الدعم اللازم لاستمرار خدماته، الأمر الذي يثير تساؤلات حول جدوى استمرار هذه الخصومات في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسة على توفير أبسط الاحتياجات العلاجية.
* الطوارئ.. أدوية لا تكفي
في قسم الحوادث والطوارئ، تبدو الأزمة أكثر خطورة، مع النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية. وأوضح المدير الطبي أن الأدوية التي تصل من الإمدادات الطبية بالولاية لا تكفي، بحسب إفادته، لتغطية احتياجات القسم لأكثر من أسبوع، ما يضطر المستشفى إلى شراء أدوية أساسية، من بينها الفنتولين، إلى جانب الأكسجين ومستلزمات عمليات الطوارئ، من موارده المحدودة.
ومع الارتفاع الكبير في أسعار هذه المدخلات، أصبحت فواتير الشراء تفوق الإمكانات المالية المتاحة للمستشفى، بينما تشير المعلومات إلى أن الإمدادات الطبية بالولاية لا تصرف الحصة المقررة كاملة. ومن هنا تبرز المطالبة بإعادة صرف الحصة الشهرية مباشرة من الإمدادات الطبية الاتحادية، كما كان معمولاً به في السابق، لضمان وصول الأدوية إلى المرضى دون انقطاع.
* العمليات الجراحية.. التكلفة تتجاوز الإيرادات
ولم تسلم العمليات الجراحية من تداعيات الأزمة ، إذ كشفت الإحصاءات عن تراجع عدد العمليات الكبرى خلال الأشهر الماضية. وأرجع المدير الطبي ذلك إلى الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات العمليات، في مقابل غياب الدعم الذي يغطي الفارق بين التكلفة الفعلية والأسعار التي يدفعها المرضى، والتي تقل عن ربع التكلفة في بعض الحالات، مقارنة بأسعار المستوصفات داخل المحلية.
وفي ظل هذه المعادلة، تتقلص قدرة المستشفى على إجراء العمليات، بما يهدد المرضى الذين لا تسمح ظروفهم المادية باللجوء إلى المؤسسات العلاجية الخاصة.
* العناية المكثفة وبنك الدم خارج الخدمة
أما العناية المكثفة، فتواجه نقصاً في معينات العمل وتعطل معظم أجهزتها، عقب الأعطال الكهربائية المرتبطة بالحريق الذي تعرض له الكيبل الرئيسي. ولم يتبقَّ من أصل عشرة أسرة سوى ثلاثة أسرة متاحة، وفق المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة.
وفي المقابل، برزت مبادرة مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية، الذي تكفل بصيانة قسم الحوادث وشراء أجهزة جديدة للعناية المكثفة، بوصفها الدعم الخارجي الوحيد الذي أُشير إليه خلال الجولة.
ولا يبدو حال المعمل وبنك الدم أفضل، إذ توقفت بعض أجهزة المعمل بسبب الحاجة إلى الصيانة وارتفاع أسعار المحاليل، بينما تعطلت ثلاجات بنك الدم وتوقفت عن العمل، ما يضع قدرة المستشفى على توفير الفحوصات ونقل الدم أمام تحديات إضافية.
* المولد الكهربائي.. أزمة وقود فوق أزمة الكهرباء
حتى المولد الكهربائي الذي أُعيد تشغيله بفضل مبادرة ومساهمة ابناء حلفا الجديدة التي انطلقت اثناء تشغيل الرنين المغنطيسي بالتعاون مع المدير العام دكتور محمد مصطفي جيش، بعد أكثر من ست سنوات من الإهمال، لم يسلم من الأزمة، بسبب عدم تخصيص ميزانية ثابتة لتوفير الوقود. ومع انقطاع الكهرباء لساعات قد تصل إلى ست أو سبع ساعات، يجد المدير العام نفسه مضطراً إلى تدبير الأموال بصورة عاجلة لشراء الوقود، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات.
* من ينقذ المستشفى قبل فوات الأوان؟
أمام هذا المشهد، تتجه المناشدة إلى والي كسلا للتدخل العاجل ووقف الخصم الشهري من إيرادات المستشفى، وإلى وزارة الصحة الاتحادية لإرسال أدوية الطوارئ مباشرة، ووزارة المالية بالولاية لتخصيص دعم شهري ثابت يضمن استمرار التشغيل.
وتزداد حدة المفارقة حين تقارن هذه الأزمة بأهمية حلفا الجديدة الاقتصادية وما ترفده به خزينة الولاية من إيرادات، لا سيما من بيع الأراضي والجبايات.
إن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل ينذر بمزيد من تراجع الخدمات، وقد يقود إلى توقفها كلياً، لتبقى حياة المرضى رهينة أزمة تمويل كان بالإمكان احتواؤها بتدخل مسؤول وفي الوقت المناسب. فهل تتحرك حكومة كسلا لإنقاذ المستشفى، أم تترك أبوابه مفتوحة بالاسم، بينما تتعطل خدماته تباعاً؟ »»» نواصل ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى