
أجمل الأسماء يطلقها أهل كل مدينة على مدينتهم التى يرونها كالطفل الصغير المدلل كل واحد من أهل بيته يطلق عليه إسما يحبه يناديه به ، وهاهى مدن السودان تشرب أهلها هذه العادة وأطلقوا أجمل الأسماء التى يحبونها عليها ، تدليلا لها وعرفانا وحبا لما وجوده من خير وراحة بمدينتهم التى لايرون أن هناك مدينة تنافسها جمالا وهدوءا وراحة ، فمدينة الرهد التى تقع فى ولاية شمال كردفان وهى تقع أغلب أحياؤها غرب الطريق القومى الأبيض كوستى ،وهى جنوب شرق الأبيض على بعد إكثر من خمسين كيلومترا ، ومن أم روابه بأكثر من ثلاثين كليومترا غربا ، وقد أطلق عليها أهل إسم (أبو دكنه مسكين ماسكنه) وجعلوا ذلك عنوانا لها جعل أغلب أهل السودان يأتون إليها حبا فى العيش فيها ومساكنة أهلها وجوارهم ليتشربوا من أخلاقهم وحسن عشرتهم وطيبة قلوبهم، طمعا فى التطبع بتلك الصفات الجميلة التى حث الإسلام عليها وعمل على زرعها فى نفوس المسلمين ، إذ يقول رسولنا الكريم :(أحسن الناس أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويألفون) ، والكل يسعى لأن يعيش فى مكان يألف فيه الناس ويألفونه ويرى التكافل والتعاون والتعاضد واقعا يعيشه فى الأفراح والأحزان .
وقد عاشت أبو دكنه أجمل أيامها بعد تحريرها من مليشيا الدعم السريع خلال شهر فبراير المنصرم ، وكان أهلها عند يترقبون دخول الجيش فى أى لحظة وهم على هذه الحالة بلغهم نبأ دخول الجيش المدينة ، وعندها يقول محدثى أن المدينة خرجت بأغلب سكانها لإستقبال الجيش فى مدخلها الشرقى ، فكان تلاحما شعبيا فريدا إمتزجت فيه طيبة أهلها بصورة لايستطيع الإنسان التعبير عنها ، فكان شبابها فى الموعد يستقبلون جيشهم بالحفاوة والتهليل والتكبير وشعارهم وهتافهم(جيش واحد شعب واحد) ويتبعهم كذلك الأطفال الذين لم يألفوا مشهدا كهذا منذ أستباحة مدينتهم المليشا ، فقد ترك جرائمها ورائها توثق سوء أخلاقها وإنسانيتها التى تجردت منها ، وينبنهنى محدثى أن الأمهات فعلن ما لم نتوقعه فقد خرجن فى عجالة من أمرهن يحملن حافظات العصير وبقاياه تتدفق على ثيابهن وأرجلهن ليلحقن بالرجال والشباب الذين يتسابقون الى نيل شرف إستقبال الجيش ، ولسان حالهن يقول: أننا عشنا معكم أصعب الأيام وهانحن نشارككم أسعد الأيام ، ونقدم زادنا لجيشنا الذى أفرح قلوبنا وجعل ألستنا تنطلق بالزغاريد عفوية إدخرناها مثل عامين لمثل هذا اليوم المبارك ، ويالها من فرحة عمت المدينة لم تترك بيتا إلا غشيته وأبهجت أهله وأدخلت السرور والفرحة عليهم ، إلا تلك البيوت التى أخلتها المليشا وكانت تسكنها بوضع اليد إما لنزوح أهلها أو إجبارهم للخروج منها بقوة السلاح.
أعود وأقول فقد تجملت المدينة بعد تحريرها وأستأنف الناس حياتهم التى كانوا يعيشونها سابقا ، وعند زيارتك لها يلفت نظرك منظر جبل الدائر وجبل دمبير بإتجاه جنوب المدينة بلونيهما الداكنين وهما شامخين كشموخ أهل الرهد أبودكنة وعند مدخل المدينة تراصت عددا من وسائل نقل الركاب من البصات السياحية ، الحافلات مينى بص (الشرائح)، التاكسى، الأتوسات، الركشات، والتكاتك ، ولوارى والجرارات لنقل البضائع والسلع التجارية ، وعودة سوق المدينة الرئيسى للعمل، والكهرباء والمياه و التعليم والصحة وشبكات الإتصال وهى مربط الفرس فقد حرمت المليشا أهل المدينة وريفها من التواصل الإجتماعى بقطعها للشبكة لفترة طويلة ، وجعلت شبكة الإستارلنك المملوكة لها هى من تعمل داخل المدينة بل حتى خارجها فى الأسواق اليومية بالريف ، ولك أن تتخيل حجم الضرر الذى وقع على السكان ،قطعت تواصلهم الإجتماعى وأوقفت تحويلاتهم المالية ، وإعتقال مئات المواطنين الذين يذهبون الى الإستارلنك بحجة أنهم إستخبارات للجيش ، بل وإجبارهم على فتح حساباتهم والكشف عن الرقم السرى تحت التهديد لسحب الأموال التى تحول إليهم، وهاهى الرهد أبودكنه تعود إلى حضن وطنها رافعة رأسها لتتهيأ الى إنطلاقة التنمية وإعمار مادمرته المليشا، ومواسم الأفراح التى غابت عن أهلها طويلا ، ولسان حال أهلها يردد مع المغنى (الرهد أبودكنة فى الخريف زرناها وطلعنا جبل الدائر) .