مستندات تكشف تجاوزات في توصيل الكهرباء بحلفا الجديدة
فضيحة كهرباء حلفا الجديدة .. من يكشف الفساد يُفصل تعسفياً
من لجنة تقصي الحقائق إلى لجنة المحاسبة: رحلة المهندس ميسرة نحو الفصل
القضاء يفتح ملف فساد الكهرباء بعد تجاهل الإدارة لمستندات المتظلم
حلفا الجديدة : أرتي ميديا
في واحدة من القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في قطاع الكهرباء، يروي المهندس ميسرة عبد الرحمن صالح، مسؤول نظم المعلومات بمكتب كهرباء حلفا الجديدة بولاية كسلا، تفاصيل ما وصفه بمخالفات وفساد إداري وفني داخل المكتب، وما ترتب عليها من إجراءات عقابية انتهت بفصله من الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء.
القضية التي بدأت بقرار نقل تعسفي، تحولت إلى ملف قانوني مفتوح أمام القضاء، لتضع الإدارة العامة للشركة تحت مجهر الرأي العام.
* تفاصيل القصة
يقول المهندس ميسرة إنه بعد نقله إلى قسم الفاو بولاية القضارف، تقدم بطلبات لإعادته إلى قسم حلفا الجديدة لأسباب أسرية، لكن طلباته قوبلت بالرفض بحجة عدم وجود بديل. لاحقاً، رفع تظلماً رسمياً إلى المدير العام للشركة، مرفقاً بمستندات تكشف مخالفات في عمليات توصيل الكهرباء بسوق حلفا الجديدة وعدد من أحياء المدينة. المستندات، بحسب إفاداته، تضمنت حالات توصيل مباشر دون عدادات أو ملفات رسمية، وهو ما يمثل خرقاً واضحاً للوائح المنظمة للعمل.
* إجراءات ضد مقدم البلاغ
المدير العام، وبعد استلام الأوراق عبر السكرتارية، كوّن لجنة لتقصي الحقائق زارت المواقع التي أشار إليها المهندس. اللجنة ضبطت بالفعل حالتين لتوصيل الكهرباء بشكل غير قانوني، ما أكد صحة بعض ما ورد في المستندات. غير أن النتائج لم تُترجم إلى محاسبة المتورطين، بل إلى إجراءات ضد مقدم البلاغ نفسه. فبعد شهرين، تم تكوين لجنة محاسبة بحق المهندس ميسرة، وجهت له تهمتين لم تُفصح عن تفاصيلهما، وأصدرت قراراً بفصله من الشركة خلال جلسة لم تتجاوز ربع ساعة، دون الاطلاع على المستندات أو الأدلة التي قدمها.
المهندس يؤكد أنه حتى الآن لم يتسلم قرار الفصل النهائي موقعاً من المدير العام، وأنه تقدم باستئناف رسمي لم يُناقش معه مباشرة، بل استلمته السكرتارية مرة أخرى. ومع مرور المدة القانونية دون رد، حصل على إذن من الإدارة القانونية بالقضارف لمقاضاة الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء.
القضية الآن أمام المحكمة، ومن المنتظر أن تُعرض المستندات التي بحوزته خلال الجلسات القادمة.
* لماذا رفض المدير العام مقابلة المتظلم؟
في روايته، يشير المهندس إلى أن احد اعضاء لجنة تقصي الحقائق أبدا استغرابه من معرفته بالمواقع المخالفة، بل إن أحدهم خاطبه قائلاً: “إن شاء الله بنجيبك حلفا ومافي زول حينضف البلد دي غيرك”، في إشارة إلى أن كشفه لهذه التجاوزات قد وضعه في مواجهة مباشرة مع مصالح متشابكة داخل المكتب.
القضية تطرح أسئلة مشروعة للرأي العام: لماذا رفض المدير العام مقابلة المتظلم رغم خطورة المستندات المقدمة؟ لماذا لم يتم التحقيق مع المتورطين في المخالفات التي أثبتتها لجنة التقصي؟ وهل يعكس هذا السلوك ضعفاً في آليات الشفافية والمساءلة داخل الشركة؟
* إشكالية مزدوجة
من زاوية أخرى، يرى مراقبون أن ما حدث يعكس إشكالية مزدوجة: وجود مخالفات مثبتة في قطاع الكهرباء بحلفا الجديدة، يقابلها إجراءات إدارية عقابية ضد من كشفها بدلاً من محاسبة المتورطين. هذه المفارقة تضع ملف الشفافية والمساءلة في المؤسسات الخدمية تحت المجهر، وتثير مخاوف من أن تتحول محاربة الفساد إلى تهمة يعاقب عليها الموظف بدلاً من أن تكون واجباً يحمي المصلحة العامة.
* القضية أمام المحكمة
القضية التي ستعرض أمام المحكمة قريباً، قد تشكل اختباراً حقيقياً لمدى استقلالية القضاء في مواجهة ملفات الفساد الإداري حسب حديث المهندس، كما ستكشف عن قدرة المؤسسات على التعامل مع البلاغات بجدية بعيداً عن تصفية الحسابات. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام نتائج المحاكمة، يبقى السؤال الأهم: هل ستتم محاسبة المتورطين في المخالفات، أم سيظل من يكشف الفساد عرضة للإقصاء والفصل التعسفي؟
بهذا، يظل ملف مكتب كهرباء حلفا الجديدة مفتوحاً، ليس فقط أمام القضاء، بل أمام المجتمع الذي يطالب بالشفافية والمساءلة، ويضع علامات استفهام حول جدية الإدارة في محاربة الفساد داخل واحدة من أهم المؤسسات الخدمية في البلاد.






