كتاب واراء
أخر الأخبار

الإسلام بين الرحمة والحزم.. فلا أمن بلا عدل ولا دولة بلا هيبة

الإسلام بين الرحمة والحزم.. فلا أمن بلا عدل ولا دولة بلا هيبة

صرير القلم : د. معاوية عبيد

الإسلام ليس دينًا يقوم على الرحمة وحدها كما أنه ليس دينًا يقوم على الشدة وحدها وإنما هو دين التوازن الذي يضع الرحمة في موضعها والحزم في موضعه والعدل فوق الجميع، فمن يقرأ القرآن الكريم بعين الإنصاف يجد أن الله سبحانه وتعالى جمع بين اللين والحزم وبين العفو والعقوبة وبين الدعوة بالحكمة وحماية المجتمع من الفساد.

فقد خاطب الله تعالى نبيه صل الله عليه وسلم بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وقال سبحانه: ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )وهذه هي القاعدة في التعامل مع الناس فالأصل هو الرحمة والرفق والإحسان،

لكن الإسلام وهو دين الفطرة يعلم أن في الناس من لا تردعه الموعظة ولا يصلحه اللين ولا يكفه النصح بل يتمادى في الإفساد وسفك الدماء وترويع الآمنين والاعتداء على الحقوق، لذلك جاءت الشريعة لتحمي المجتمع وتحفظ أمنه وتقطع الطريق أمام كل من يجعل من الجريمة وسيلة للكسب أو النفوذ أو نشر الفوضى، ولم يكن موقف الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مانعي الزكاة إلا درسًا خالدًا في أن هيبة الدولة لا تستقيم إذا تهاونت في إنفاذ الحق حين قال: ( والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صل الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه) لقد أدرك أبو بكر أن التهاون في أول الطريق يفتح أبواب الفوضى في آخره وأن الدولة التي تتساهل في تطبيق القانون تفقد هيبتها ويطمع فيها أصحاب الأهواء والمصالح

واليوم والسودان يطوي صفحة الحرب ويسعى إلى بناء دولة آمنة مستقرة فإن أكبر تحدياته ليست إعادة إعمار المباني فحسب وإنما إعادة إعمار هيبة الدولة وسيادة القانون ، فلا يجوز أن تتحول السلطة إلى وسيلة للابتزاز أو النفوذ إلى غطاء للجريمة أو السلاح إلى أداة لترويع المواطنين أو المخدرات إلى سلاح يدمر عقول الشباب ويهدم مستقبل الوطن،

إن تجار المخدرات، والعصابات المنظمة والمتفلتين الذين يروعون الآمنين ويعتدون على الأرواح والممتلكات ويقوضون استقرار المجتمع يجب أن يواجهوا بحزم كامل عبر أجهزة العدالة وأن تطبق في حقهم القوانين النافذة دون محاباة أو تمييز حتى يعلم الجميع أن الدولة لا تتهاون في حماية أمن مواطنيها وصيانة حقوقهم،

كما أن استقرار المدن يقتضي أن تكون مسؤولية حفظ الأمن بيد المؤسسات النظامية المختصة في إطار القانون وبما يعزز هيبة الدولة ويطمئن المواطنين ويمنع مظاهر التفلت والفوضى

ولعل الأخطر من المجرمين الذين يمارسون جرائمهم في الخفاء أولئك الذين يخالفون القانون جهارًا نهارًا لأنهم يعتقدون أن هناك من يحميهم أو لأنهم يجدون طرقًا غير مشروعة للإفلات من المحاسبة، فحين يشعر صاحب النفوذ أنه فوق القانون ويوقن المخالف أن العقوبة لن تطاله فإن هيبة الدولة تبدأ في التآكل ويصبح احترام القانون خيارًا لا واجبًا

وقد حذر النبي صل الله عليه وسلم من هذا المسلك حين قال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» ،إنها رسالة خالدة تؤكد أن العدل لا يعرف طبقة ولا منصبًا ولا نفوذًا وأن انهيار الدول يبدأ عندما يصبح القانون يطبق على الضعفاء دون الأقوياء.

إن السودان اليوم وهو يدخل مرحلة إعادة البناء والإعمار لا يحتاج إلى تشييد الجسور والمباني فحسب بل يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء هيبة القانون ،فإعمار الأوطان يبدأ بإعمار مؤسسات العدالة وترسيخ مبدأ أن الجميع سواء أمام القانون وأن لا أحد يملك حصانة من المساءلة إذا ثبتت مخالفته

إن تفعيل القوانين في جميع مستوياتها هو حجر الأساس لقيام الدولة الحديثة فلا ينبغي الاستهانة بأي قانون مهما بدا بسيطًا فاحترام النظام يبدأ من التفاصيل الصغيرة قبل القضايا الكبرى فقانون إزالة الأذى عن الطريق وتنظيم الأسواق والباعة المتجولين والمحافظة على النظافة العامة واحترام المرور وحماية المرافق العامة كلها قوانين تسهم في صناعة مجتمع منضبط ودولة قوية، فالدول لا تنهض فقط بالعقوبات الرادعة وإنما تنهض أيضًا بثقافة احترام النظام والالتزام بالقانون.

إن هيبة الدولة لا تتحقق بكثرة القوانين وإنما بعدالة تطبيقها على الجميع دون استثناء ودون محاباة أو وساطة أو استغلال للنفوذ فإذا استوى أمام القانون المسؤول والمواطن والقوي والضعيف والغني والفقير شعر الناس بالأمن واطمأنوا إلى أن حقوقهم مصونة وأن العدالة ليست شعارًا يرفع بل واقعًا يطبق ، فالسودان الذي ننشده هو السودان الذي تكون فيه سيادة القانون فوق الأشخاص والمصلحة العامة فوق المصالح الخاصة والعدل فوق النفوذ فلا مكان فيه لمفسد يفلت من العقاب ولا لمواطن صالح يشعر أن القانون لا يحميه عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا الطريق الصحيح نحو إعادة بناء الدولة واستعادة هيبتها

إن الرحمة التي جاء بها الإسلام ليست رحمة بالجريمة وإنما رحمة بالمجتمع كله والعدل الحقيقي لا يكون بالعفو عن المفسدين وإنما بإنصاف المظلوم وردع المعتدي وحماية الأبرياء وإقامة القانون على الجميع بلا استثناء فالدولة القوية ليست التي يهابها الضعفاء وإنما التي يخشاها المجرمون ويأمن في ظلها المواطن الصالح. وعندما تقترن الرحمة بالعدل ويقترن الحزم بالقانون تستقيم الأحوال ويستعيد الوطن أمنه وتمضي مسيرة البناء والتنمية بثبات ويصبح السودان وطنًا يسوده النظام وتحكمه العدالة وتصان فيه كرامة الإنسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى