كتاب واراء
أخر الأخبار

صرير القلم :د. معاوية عبيد عَضَّةُ كَلْب.. وعَضَّةُ وَطَن!

صرير القلم :د. معاوية عبيد

عَضَّةُ كَلْب.. وعَضَّةُ وَطَن!

توقفتُ عند رسالةٍ على تطبيق الواتساب يتحدث راويها عن خطورة عضة الكلب ويقدم جملةً من النصائح الطبية التي يرى أنها قد تنقذ حياة الإنسان إذا تعرض لهذا الحادث، وقد استهل حديثه بالإشارة إلى الظروف الحالية، وما يشهده الناس من حالات عقر خطيرة مؤكداً أن الوعي والمعرفة يمثلان درعاً واقياً في مواجهة الطوارئ .

قرأتُ الرسالة حتى نهايتها لكن خيالي سرح بعيداً عن الكلب وعضته وذهب بي إلى مواطن سوداني خرج منذ الصباح الباكر حاملاً همَّ يومه فوق كتفيه يبحث عن لقمة تسد الرمق أو جرعة وقود تحرك سيارته أو حتى جرعة ماء تروي ظمأه مواطنٌ أنهكته الحياة وأتعبته الأسعار وأثقلته الديون حتى بات يمشي في الأسواق شارد الذهن لا يدري أهو الذي يبحث عن حاجته أم أن حاجته هي التي تفر منه!

في مثل هذه الظروف ربما لا يجد هذا المواطن وقتاً كافياً ليسأل عن الكلب الذي قد يعضه ولا عن نوع الفيروس الذي يحمله فقد سبقته عضة الأسعار إلى جسده ونهشته أنياب الغلاء وتركت في روحه جروحاً أعمق من تلك التي تخلفها أنياب الكلاب .

تقول الرسالة إن من الأخطاء وضع البن على موضع العضة وتحذر من خطورة ذلك وتدعو إلى التعامل الصحيح مع الجرح ، لكنني وأنا أقرأ هذه النصيحة تساءلت: من أين للمواطن ببنٍ يضعه على جرحه وقد أصبح البن نفسه سلعةً تحتاج إلى ميزانية مستقلة في دفتر مصروفات الأسرة؟

ثم إن المواطن السوداني لا تنقصه الجروح حتى يبحث عن البن لتغطيتها فجرح الأسعار مفتوح وجرح المواصلات مفتوح وجرح الوقود مفتوح وجرح لقمة العيش لا يكاد يلتئم حتى ينفتح من جديد ، وإذا كان ( البن) بحسب الرسالة لا يصلح علاجاً لعضة الكلب فإننا نحتاج إلى أن نفهم أن تغطية الجروح بالكلمات الجميلة لا تعالج أوجاع الناس وأن تكرار الحديث عن الصبر والتحمل لا يغني عن تخفيف الأعباء التي قصمت ظهورهم، فليس كل جرح يحتاج إلى وصفة شعبية بعض الجروح تحتاج إلى قرارات شجاعة ورقابة فاعلة وعدالة في الأسواق وضمائر لا تساوم على قوت الفقراء .

ومن بين النصائح الواردة في الرسالة التحذير من ربط ما فوق موضع العضة بحزام أو رباط والتنبيه إلى ضرورة التعامل الطبي السليم مع الإصابةلأن الفايروس يصيب الاعصاب ،وهنا أيضاً وجدتني أفكر في أعصاب المواطن السوداني تلك الأعصاب التي ظلت مشدودةً منذ سنوات تتلقى صدمات الأخبار وتقلبات الأسعار وأزمات الخدمات وهموم النزوح والاغتراب ومخاوف الغد المجهول .

يا سادتي بأي حزام نربط أعصاب هذا المواطن وقد تجاوزت الضغوط حدود الاحتمال؟!

كلما حاول أن يستريح باغتته زيادة جديدة وكلما ظن أن السوق قد هدأ فوجئ بأن الأسعار قد سبقت دخله بمسافات طويلة وكلما أمسك بطرف الخيط ليصلح شأن أسرته انقطع الخيط من الطرف الآخر

لقد أصبح المواطن في سباقٍ يومي مع الحياة يركض خلف الضروريات بينما تركض الأسعار أمامه وكأن بينهما اتفاقاً سرياً على ألا يلتقيا أبداً!

تحذر الرسالة من عدم خياطة جرح العضة لان الفايروس يتكاثر في الاماكن المغلقة ، وهي نصيحة تذكرنا بأن معالجة الجروح ليست مجرد إغلاقٍ لظاهرها بل تحتاج إلى تقدير طبي لطبيعتها وخطورتها ، وهنا يحضرني حال المواطن السوداني الذي لم يعد يجد ما يخيط به قميصه إذا انشق دعك من أن يجد ما يرمم به جراح حياته إذا انفتحت!

لقد اتسع الفتق حتى أصبح أكبر من الرتق وصارت بعض الأسر تخوض معركة يومية لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتها وإذا تمزق ثوب المواطن فقد يؤجل إصلاحه إلى الشهر المقبل، أما إذا تمزقت ميزانية أسرته فليس لديه شهر مقبل ينتظر فيه لأن الجوع لا يعرف المواعيد والمرض لا ينتظر تحسن الدخل والطفل لا يفهم لماذا اختفى ما اعتاد أن يجده على مائدة الطعام ، ومع ذلك، فإننا كثيراً ما نكتفي بمحاولة إخفاء الجرح بدلاً من البحث عن أسبابه ونتعامل مع مظاهر الأزمة دون أن نقترب بما يكفي من جذورها ، نريد أن نغلق الجرح سريعاً لكننا لا نسأل عن الأداة التي أحدثته ولا عن الظروف التي جعلته يتسع ولا عن المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها كل طرف.

المواطن اصبح لديه جروح أخرى لا تحملها الكلاب بل قد يتسبب فيها الإنسان لأخيه الإنسان ،إنها عضة الاحتكار وعضة التلاعب بالأسعار وعضة استغلال حاجة الناس وعضة من يرفع السعر كلما ضاقت الحياة ويخفي السلعة حين تشتد الحاجة إليها ويجعل من معاناة الآخرين فرصةً لتضخيم الأرباح .

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ارتفاع الأسعار وحده بل أن يصبح استغلال الإنسان لأخيه الإنسان أمراً مألوفاً وأن يتراجع الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية أمام سطوة المكسب السريع ،فالمجتمع لا تقوم أركانه بالمال وحده وإنما تقوم كذلك على الرحمة والتكافل والعدل وعلى يقين الناس بأن حاجتهم لن تكون فرصةً لاستغلالهم .

توصي الرسالة بغسل موضع عضة الكلب بالماء الجاري والصابون وهي خطوة إسعافية مهمة لكنها لا تغني عن طلب الرعاية الطبية العاجلة والتقييم بشأن الوقاية من داء الكلب الذي قد يكون قاتلاً بعد ظهور أعراضه .

وهنا نقف أمام مفارقة تستحق التأمل: إذا كان الماء والصابون من أبسط وسائل التعامل الأولي مع جرح العضة فما الوسائل التي نحتاج إليها لتطهير جروح المجتمع السوداني؟

هل نحتاج إلى ماء وصابون أيضاً لتطهير الأسواق من الاحتكار؟ أم إلى رقابة حقيقية تمنع التلاعب بقوت الناس؟ أم إلى ضميرٍ حيّ يردع من يرى في معاناة المواطن فرصةً للثراء؟

ربما نحتاج إلى كل ذلك، وإلى ما هو أكثر .

لقد عرف السودانيون عبر تاريخهم قيمة التكافل وتقاسموا القليل في أوقات الشدة وفتحوا أبوابهم للنازحين والمحتاجين وقدموا ما استطاعوا رغم ضيق ذات اليد وهذه الروح هي التي ينبغي أن نحافظ عليها لا أن نتركها تتآكل تحت ضغط المصالح الضيقة والجشع

لا شك أن عضة الكلب أمر خطير يستوجب التعامل الطبي العاجل، ولا يجوز الاستهانة بها أو استبدال العلاج بالنصائح المتداولة لكن عضة الواقع حين تتكرر كل يوم تترك هي الأخرى آثاراً تستحق أن نتوقف عندها

الكلب حين يعض قد يؤذي إنساناً أما حين يعض الإنسان أخاه الإنسان فقد يجرح وطناً بأكمله!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى