د.نهلة صلاح كنان.. في حوار مع بعد الحرب.. اضطرابات ما بعد صدمة دمار الحرب في السودان
من أنقاض البيوت إلى جراح الروح… السودان يواجه صدمة ما بعد الحرب
الأطفال والنساء في قلب العاصفة النفسية.. كيف يتجاوز السودان محنة الحرب
الدوحة: نادر عبدالله حلفاوي
في ظل ما خلفته الحرب من دمار واسع طال البيوت والمصانع والمتاجر، لا تقتصر آثارها على الجانب المادي فقط، بل تمتد لتضرب عمق الإنسان نفسياً وعاطفياً. وبين مشاهد العنف، الفقد، والنزوح، تبرز الحاجة الملحة إلى معالجة الجراح النفسية التي لا تُرى بالعين المجردة.
في هذا الحوار الخاص، تفتح لنا باحثة ماجستير علم النفس د. نهلة صلاح كنان ، اختصاصي صحة نفسية وارشاد نفسي نافذة لفهم ما يعيشه السودانيون بعد الحرب، خاصة الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والنساء وكبار السن.
د. نهلة، حاصلة علي بكالوريوس توجيه وارشاد نفسي وباحثة ماجستير في علم النفس جامعة ام درمان الاسلامية صحة نفسية وعلاج اكلينكي ، تسلط الضوء على اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق، والاكتئاب، وتشرح كيف يمكن للمجتمع المدني والطب النفسي أن يلعبا دوراً محورياً في إعادة بناء الإنسان قبل الحجر.كما تتناول تأثير فقدان الممتلكات.
هذا الحوار ليس مجرد تشخيص لحالة نفسية جماعية، بل دعوة صريحة لتفعيل دور الدعم النفسي في مرحلة ما بعد الحرب، وبناء مجتمع متماسك قادر على تجاوز المحنة ..فماذا قالت د. نهلة في حوارها الخاص مع أرتي ميديا؟
* الدمار لا يُمحى من الذاكرة.. كيف تعالج الصدمة النفسية بعد الحرب؟
علاج الصدمة يبدأ بالاعتراف بها، لان أي محاولة لتجاهلها قد تطيل أمد المعاناة. لذلك لا بد من الاعتراف أولًا بالمشكلة، ثم مواجهتها، والعمل على استعادة الشعور بالأمان وتنظيم المشاعر والأفكار، ومعالجة الذكريات الصادمة. كل ذلك يتم عبر جلسات الدعم النفسي المتخصصة.
* كيف ترين التأثير النفسي للحرب على مختلف الفئات العمرية في السودان، خصوصًا الأطفال والنساء؟
التأثير على الأطفال هو الأخطر والأعمق، لأن نضوجهم النفسي والعقلي لم يكتمل بعد. فيظهر التأثير على شكل كوابيس، وتبول لا إرادي، وسلوك عدائي أو انطواء وتقوقع نتيجة الخوف. وفي كثير من الحالات يحدث لدي هؤلاء الاطفال تطبيع مع العنف يظهر واضحاً في سلوكهم وطريقة لعبهم.
أما النساء فهن الأكثر عرضة للصدمات بسبب الضغوط وتعدد الأدوار الأسرية والمجتمعية. بالاضافة الي أن كثير من النساء يعانين من قلق مزمن واكتئاب، إضافة إلى إحساس بالتقصير والعجز بسبب المسؤوليات الثقيلة، الملقاة على عاتقهن خصوصًا الأمهات.
* ما أبرز أنواع الاضطرابات النفسية التي ظهرت أو تفاقمت منذ اندلاع الحرب؟
هناك ارتفاع واضح في حالات كرب ما بعد الصدمة، إضافة إلى الاكتئاب بنوعيه الذهاني والعصابي، واضطرابات القلق ونوبات الهلع واضطرابات التكيف. كما تفاقمت حالات نفسية سابقة بسبب تعذر المتابعة و انقطاع العلاج والضغوط المعيشية الحادة.
* هل هناك فروقات في الاستجابة النفسية بين من عاشوا الحرب في المدن الكبرى ومن نزحوا إلى المناطق الريفية أو خارج البلاد؟
نعم، بالتاكيد من عايشوا القصف والاعتداءات المباشرة يعانون صدمات حادة نتيجة ما رأوه من موت ودمار في محيطهم، وغالبًا اصحاب الصدمات الحادة والفجائية يكونون أكثر قابلية للعلاج إذا زال الحدث الصادم وتوفرت بيئة آمنة.
أما النازحون داخل البلاد أو خارجها فيعانون صدمات ممتدة مرتبطة بعدم الاستقرار وفقدان الهوية المكانية، إضافة إلى صدمة الاغتراب والاحساس بعدم الانتماء بالاضافة الي القلق على من تركوهم خلفهم. هذا النوع من الصدمات يحتاج علاجًا طويل الأمد لأنه يصيب البنية النفسية ويؤثر في تنظيم المشاعر والإحساس بالذات.
* كيف تؤثر مشاهد العنف والدمار المستمر على الصحة النفسية الجماعية للمجتمع السوداني؟
تؤدي مشاهد الدمار والعنف المستمر إلى تطبيع الخوف، فيتحول الخوف من حالة طارئة إلى وضع يومي مألوف، مما يُدخل المجتمع كله في حالة استنفار نفسي مزمن يستهلك طاقته ويضعف قدرته على التعافي.
* ما هي الآثار النفسية الناتجة عن فقدان المنازل والممتلكات الشخصية؟ وهل تُعتبر هذه الصدمة من نوع اضطراب ما بعد الصدمة؟
تختلف الآثار حسب الشخص ومدى صلابته او هشاشته النفسية وحجم الفقد والضرر ، لكن التأثير باقٍ وعميق في كل الأحوال. فقدان المنزل يعني فقدان الأمان والاستقرار والهوية. وقد يندرج الأثر الناتج عن فقدان المنازل والممتلكات الشخصية تحت اضطراب ما بعد الصدمة إذا استوفى الأعراض المعروفة لهذا الاضراب مثل حزن عميق يشبه الحداد ، الإنكار وعدم تقبل للفقد ، تهيج و سرعة الانفعال، تغير سلبي في المزاج والتفكير، إضافة إلى أعراض جسدية مثل الصداع وآلام المعدة والإرهاق المزمن وتسارع ضربات القلب.
* كيف يمكن للنازحين التعامل مع مشاعر الفقد، خاصة عندما تكون ممتلكاتهم مرتبطة بذكريات عائلية أو تاريخية؟
هناك عدة طرق تساعد النازحين على التعايش مع مشاعر الفقد أولها عدم كبت مشاعر الحزن وضرورة التعبير عنها بشكل طبيعي وموازي للحدث ، لان محاولة قمع تلك المشاعر او تجاوزها قد تفاقم الأمر وتعود بأثر عكسي .
ثانيا تحويل الذكريات إلى قصص تُروى للأبناء والأصدقاء عن البيت والاغراض والأشخاص، هذا يجعلها محفوظة في الذاكرة ، وان غاب المكان ، مما يخفف وقع الألم كثيرا. كذلك التواصل مع من مروا بتجارب مشابهة، فمشاركة الألم تساعد كثيرًا على الشفاء.
* ما هي النصائح التي تقدمينها للمرضى النفسيين في ظل غياب الخدمات الطبية أو صعوبة الوصول إليها؟
تجنب العزلة، ممارسة تمارين التنفس المنتظم، الالتزام بالخطوات المتبعة إبان فترات العلاج السلوكي، الالتزام بالأدوية ومواعيد الجرعات في الحالات التي تُعالج بالأدوية، وطلب الدعم النفسي عند الضرورة.
* كيف يمكن للأسر دعم أفرادها الذين يعانون من اضطرابات نفسية دون وصم أو خوف؟
بالاستماع لهم دون إصدار أحكام، وتفهم مشاعرهم، وعدم السخرية أو التقليل منها، وتشجيعهم على التعبير بدل الكتمان، والتعامل مع الاضطراب النفسي كحالة إنسانية لا كعيب أو نقص أو ضعف إيمان.
* هل هناك طرق بسيطة يمكن للناس اتباعها لتخفيف التوتر والقلق في بيئة مليئة بالخوف وعدم الاستقرار؟
نعم، هناك عدة طرق يمكن للكل ان يستخدمها يوميا لتقليل التوتر والقلق مثل تمارين الاسترخاء النفسي، التنفس العميق، الذكر والصلاة بخشوع، التمارين الحركية البسيطة، ممارسة رياضة المشي في الهواء الطلق، وتدوين المشاعر والأفكار يوميًا.
* ما دور المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية في توفير الدعم النفسي؟ وهل هناك مبادرات واعدة في هذا المجال؟
دور المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية في هذا الجانب دور محوري وأساسي، خاصة في ظل النزوح والحروب والكوارث . فالمنظمات تقوم بانشاء مراكز مجتمعية وخيم دعم تتيح للمتضررين التعبير عن مشاعرهم وإمكانية معالجتهم في بيئة آمنة. اما بخصوص المبادرات في هذا المجال ، هناك مبادرات واعدة يقودها مختصون ومتطوعون داخل وخارج البلاد، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم والتنسيق والاستمرارية.






