مقال
أخر الأخبار

مهد الحروف : د. هيثم حسن عبد السلام يكتب: المواصفة العربية .. بين التعثر والتكامل    

مهد الحروف : د. هيثم حسن عبد السلام يكتب: المواصفة العربية .. بين التعثر والتكامل

 

mismawia@yahoo.com

 

 

 

في كل عام، يطل علينا الخامس والعشرون من مارس، حاملاً معه مناسبة ذات دلالة عميقة في مسار العمل العربي المشترك، هي اليوم العربي للتقييس، الذي يأتي هذا العام تحت شعار: مواصفات عربية موحدة لاقتصاد عربي متكامل . شعار يبدو في ظاهره طموحاً، وفي جوهره ضرورة لا تقبل٦ التأجيل، في عالم باتت فيه المواصفات القياسية لغة الاقتصاد الأولى، ومفتاح العبور إلى الأسواق، وجواز مرور لرضا المستهلك .

 

 

 

ولا شك أن الجهود التي تبذلها المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتقييس والتعدين في مجالات التقييس والمترولوجيا وتوحيد المواصفات، هي جهود مقدّرة ومشهودة ومحل احترام الجميع ، وقد أسهمت في وضع أطر فنية وعلمية تسعى لتقريب الفجوة بين الدول العربية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، ويتردد في ذهن المستهلك العربي قبل المصنع والمورد: هل انعكست هذه الجهود فعلاً على أرض الواقع؟ وهل أصبحت المواصفة العربية الموحدة أداة حقيقية لتسهيل انسياب السلع بين الدول العربية؟

 

 

 

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الطريق لا يزال طويلاً. فالتباينات في تطبيق المواصفات، واختلاف آليات الرقابة، وتعدد الإجراءات الفنية والإدارية، ما زالت تشكل عوائق أمام تحقيق السوق العربية المتكاملة التي يحلم بها المستهلك العربي . فبينما يُفترض أن تكون المواصفة جسراً، نجدها أحياناً تتحول إلى حاجز غير مرئي بسبب عدم وجود الإرادة العربية الموحدة في ان نكون وطنا وحدا يتخطى الحواجز الجغرافية المصنوعة.

 

 

 

وعند المقارنة بالتجربة الأوروبية، تتجلى الفجوة بوضوح. فالاتحاد الأوروبي لم يكتفِ بوضع مواصفات موحدة، بل عمل على توحيد منظومة التطبيق والرقابة والاعتراف المتبادل، حتى أصبحت السلعة تنتقل بين دوله بسلاسة تكاد لا تُذكر معها الحدود ولا نوع العملة النقدية. هناك، المواصفة ليست وثيقة فنية فحسب، انما منظومة متكاملة تُدار بكفاءة، وتُطبق بحزم، وتُراجع باستمرار.

 

 

 

أما في واقعنا العربي، فما زلنا في كثير من الأحيان نقف عند حدود الشعار، دون أن نُحسن ترجمة مضامينه إلى سياسات عملية وإجراءات ملموسة يشعر بها المواطن قبل المستثمر. فالتكامل الاقتصادي لا يُبنى بالنوايا الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى إرادة تنفيذية، وتنسيق مؤسسي عابر للحدود، وثقة متبادلة بين الجهات الرقابية.

 

 

 

إن الاحتفال باليوم العربي للتقييس يجب أن يكون وقفة مراجعة بقدر ما هو مناسبة احتفاء. مراجعة صادقة لما تحقق، وما لم يتحقق، وما ينبغي أن يتحقق. فالمواصفة العربية الموحدة لن يكون لها معنى حقيقي ما لم تنعكس في تخفيف القيود، وتسريع الإجراءات، وخفض التكاليف، وتعزيز ثقة المستهلك في المنتج العربي.

 

 

 

ما نحتاجه اليوم تحويل الشعارات الي المزيد من التطبيقات العملية. و نحتاج إلى تحويل المواصفات القياسية من أوراق محفوظة في الأدراج وأرقام إنجاز في تقارير إدارية ، إلى أدوات فاعلة في الأسواق. نحتاج إلى أن يشعر المصنع بأن التزامه بالمواصفة العربية يفتح له أبواب الأسواق ، لا أن يضعه أمام تعقيدات جديدة. ونحتاج قبل ذلك وبعده إلى أن يلمس المستهلك أثراً حقيقياً في جودة المنتج وسلامته وسعره وتوفره في أنحاء وطننا العربي .

 

 

 

كل التحايا لأسرة التقييس في الوطن العربي بهذه المناسبة المهمه والتي نحتفي بها إيماناً بدور التقييس واثره في حياة الناس . ويظل الطموح الذي ننشده أكبر من الواقع الذي نعيشه … لكن الأمل يظل قائماً بأن تتحول المواصفات القياسية العربية من حلم مؤجل إلى واقع معاش، يصنع اقتصاداً عربياً أكثر تكاملاً، وأكثر قدرة على المنافسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى