Uncategorized
أخر الأخبار

تاركو للطيران… حينما تصبح الأجنحة جسوراً للرحمة لا مجرد وسيلة سفر حاتم حسن احمد

تاركو للطيران… حينما تصبح الأجنحة جسوراً للرحمة لا مجرد وسيلة سفر
حاتم حسن احمد

في الحرب، تتكشف المعادن الحقيقية للمؤسسات كما تتكشف معادن الرجال. فحين تتراجع كثير من الأدوار تحت ضغط الخوف والخسائر، تبرز جهات تختار الانحياز للإنسان قبل الحسابات التجارية، وللوطن قبل الأرباح. ومن بين النماذج التي فرضت حضورها في المشهد السوداني خلال هذه الحرب القاسية، برزت تاركو للطيران بوصفها واحدة من المؤسسات التي أدت دوراً وطنياً وإنسانياً يستحق التقدير والتوثيق.
فالحرب التي عصفت بالسودان لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية وتشريد الملايين، بل ألقت بأعباء ثقيلة على القطاع الصحي والإنساني، وجعلت الحصول على الدواء والغذاء والعلاج رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر. وفي خضم هذا الواقع المأساوي، لم تقف تاركو موقف المتفرج، بل فتحت أجواءها ومقدراتها لخدمة الإنسان السوداني دون ضجيج أو استعراض.
لقد لعبت الشركة دوراً بالغ الأهمية في نقل المساعدات والتبرعات الإنسانية القادمة من دول الجوار إلى السودان، خاصة الأدوية والمحاليل الطبية والعلاجات المنقذة للحياة. ولم يكن الأمر مجرد نقل تجاري اعتيادي، بل مبادرة إنسانية متكاملة تحملت فيها الشركة تكاليف النقل مجاناً، بل وتجاوزت ذلك إلى المساهمة في إيصال الإمدادات من بورتسودان إلى عدد من المدن السودانية التي كانت تعاني العزلة وصعوبة الوصول.
وفي زمن أصبحت فيه تكلفة الشحن عبئاً يفوق أحياناً قيمة المساعدات نفسها، كانت تاركو تقدم نموذجاً مختلفاً في المسؤولية الوطنية، مؤكدة أن القطاع الخاص يمكن أن يكون شريكاً حقيقياً في تخفيف معاناة الشعوب وقت الأزمات.
ولم يتوقف دورها عند نقل الأدوية والإغاثة، بل امتد إلى الجانب الإنساني الأكثر إيلاماً؛ المرضى الذين دفعتهم الحرب إلى البحث عن العلاج خارج البلاد. فقد شهدت رحلات الشركة، خاصة المتجهة إلى مصر، مواقف إنسانية متكررة تم فيها نقل مرضى ومرافقين بتكلفة صفرية، مراعاة لظروفهم الصحية والاقتصادية. ولم تكن تلك الحالات استثناءات محدودة، بل تحولت إلى نهج إنساني ظل حاضراً في مختلف رحلات الشركة الخارجية.
ولعل كثيراً من السودانيين الذين تقطعت بهم السبل في المنافي أو واجهوا ظروفاً صحية معقدة، يدركون حجم الجهد الذي بذلته هذه الشركة في وقت كانت فيه حركة الطيران السودانية تواجه تحديات غير مسبوقة. فبين إغلاق المطارات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وتعقيدات التأمين والمخاطر الأمنية، كان من الأسهل لأي شركة أن تنكفئ على مصالحها التجارية الضيقة، لكن تاركو اختارت طريقاً أكثر صعوبة وأكثر شرفاً.
غير أن المفارقة المؤلمة في التجربة السودانية كثيراً ما تتمثل في أن بعض المؤسسات التي تقدم أعظم الأدوار الوطنية تجد نفسها لاحقاً هدفاً للهجوم أو الإقصاء أو الحملات المنظمة. وهو ما يثير التساؤلات حول ما تعرضت له تاركو من عراقيل وحملات تشكيك، خاصة في ملف التعاقدات الخاصة بنقل الحجيج السوداني، وما صاحب استبعادها من ملابسات أثارت كثيراً من علامات الاستفهام لدى الرأي العام.
فهل أصبحت الوطنية الحقيقية تهمة؟ وهل صار العطاء الإنساني مدعاة للاستهداف بدلاً من التكريم؟
إن ما حدث ويحدث مع تاركو يعيد إلى الأذهان قصة “جزاء سنمار” الشهيرة؛ ذلك المهندس الذي شيّد صرحاً عظيماً، فكان جزاؤه الإقصاء بدلاً من التقدير. والتاريخ السوداني، للأسف، مليء بالنماذج التي عوقبت لأنها اجتهدت، واستُهدفت لأنها نجحت، وحوربت لأنها اقتربت من وجدان الناس.
لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها، أن الشعوب لا تنسى من وقف معها في محنتها. والسودانيون الذين وصلت إليهم الأدوية عبر طائرات تاركو، والمرضى الذين وجدوا مقاعد مجانية للعلاج، والأسر التي خففت عنها الشركة بعض قسوة الحرب، جميعهم يشكلون شهادة حية لا تمحوها الحملات ولا تغيرها المكايدات.
لقد أثبتت تاركو للطيران أن الشركات الوطنية ليست مجرد كيانات اقتصادية، بل يمكن أن تكون أذرعاً إنسانية للوطن في أشد لحظاته ظلاماً. وتلك أدوار أكبر من أن تختزلها المنافسات أو الحسابات الضيقة، لأنها كُتبت بالفعل في ذاكرة الناس… وذاكرة الشعوب لا تخطئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى