صرير القلم : د. معاوية عبيد من كسلا إلى بارا.. ومن مروي إلى الدمازين رحلة العطاء التي جابت السودان.. حين تتحول الزكاة إلى غيثٍ للأرض والإنسان

صرير القلم : د. معاوية عبيد
من كسلا إلى بارا.. ومن مروي إلى الدمازين
رحلة العطاء التي جابت السودان.. حين تتحول الزكاة إلى غيثٍ للأرض والإنسان
«من كسلا لي بارا..
في مروي الطمبارة..
بريدو ديواني العلا من شاني ..
و الاسمه عنواني
بريدو
تلك الكلمات التي ظلت تتردد في وجدان السودانيين وتحولت إلى نشيدٍ يستحضر اتساع الوطن وتنوعه ووحدة أهله انطلقت من أجواء الدورة المدرسية التي استضافتها ولاية نهر النيل بحاضرتها الدامر حاملةً بصمة شاعر الدامر وابن شاعديناب درو الناقد والشاعر والفنان الراحل عمر محمد أحمد العوض ، كانت هذه القصيدة رحلةً في ذاكرة الوطن وطوافاً على أقاليمه واستدعاءً لوجدانٍ سوداني ظل يرى في التنوع مصدر قوة وفي الانتماء للوطن حكايةً لا تنتهي ولعل أجمل ما في تلك الأغنية أنها لم تحبس الوطن في حدود الجغرافيا بل جعلت من مدنه وقراه خيطاً ينسج لوحة السودان الكبير من الشرق إلى الشمال ومن الوسط إلى الغرب ومن أقصى الشمال إلى تخوم النيل الأزرق، وهكذا كانت الدورة المدرسية في زمانها أكثر من منافسة بين الطلاب إذ صنعت حراكاً ثقافياً واجتماعياً وفتحت نوافذ التعارف والتواصل بين أبناء الولايات وجعلت من الفن جسراً يصل ما بين الناس والأرض والذاكرة .
واليوم تستعيد مسيرة ديوان الزكاة شيئاً من تلك الروح ولكن بلغةٍ أخرى لغة العطاء والعمل الميداني والانتقال من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية بحثاً عن الفقراء والمساكين وتلمساً لاحتياجاتهم وسعياً لتخفيف معاناتهم وإعادة الأمل إلى نفوسهم .
ففي سنوات الحرب التي أثقلت كاهل البلاد وغيّرت ملامح الحياة في كثير من مدنها وقراها ظل ديوان الزكاة حاضراً في ميدان المسؤولية مواصلاً أداء رسالته ومتمسكاً بدوره الاجتماعي والإنساني فيما جاب العاملون عليها ولايات السودان حاملين ما تيسر من الغذاء والدواء والكساء وباذلين أقصى الجهد للوصول إلى المستحقين في ظروفٍ تتطلب الكثير من الصبر والإرادة وحسن التدبير .
وفي هذا السياق، يواصل ركب الأمين العام لديوان الزكاة د. يحيى أحمد عبد الله القمراوي وقيادات الديوان برفقة وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية جولاته الميدانية بين الولايات في حراكٍ تتداخل فيه مسؤولية القيادة مع واجب الوقوف على أحوال المواطنين ومتابعة البرامج وتفقد المشروعات وتقديم الدعم حيث تشتد الحاجة إليه ومن ولاية إلى أخرى تتعدد أسماء النفرات لكن الرسالة تظل واحدة فكانت نفرة العطاء المتجدد بولاية كسلا وكان غيث البركات ١٢ بولاية الخرطوم حيث امتدت التدخلات لتلامس احتياجات المواطنين وتساند الأسر في مواجهة أعباء الحياة وفي ولاية سنار عاصمة الدولة السنارية جاءت نفرة الأمل الثانية لتفتح نافذةً جديدة أمام آلاف الأسر عبر مشروعات إنتاجية في رهانٍ على أن يكون الإنتاج مدخلاً للاستقرار وأن يتحول الدعم من استجابةٍ آنية للحاجة إلى وسيلةٍ مستدامة لمكافحة الفقر و تواصلت ينابيع العطاء وحملت البرامج بشائر الخير إلى المستحقين ومن نفرة العطاء والإحسان بولاية القضارف أرض الخير والعطاء إلى نفرة المصارف الكبرى بولاية البحر الأحمر حيث تتجدد معاني التكافل وطهارة المال ، و في ولاية نهر النيل فجّر ديوان الزكاة ينابيع عطائه عبر برنامج ( ينابيع العطاء ) في واحدة من المبادرات التي تعكس اتساع دائرة التدخل الاجتماعي وتعدد مسارات الدعم الموجهة إلى الفئات الأكثر حاجة وفي ولاية النيل الأبيض جاءت (النفرة الخضراء)،لتؤكد أن العطاء لا يقف عند حدود الإغاثة المباشرة وإنما يمتد إلى تعزيز الاستقرار المعيشي وتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية ،أما ولاية جنوب كردفان فقد حملت نفرتها اسم (الأيادي البيضاء) في صورة تجسد المعنى الإنساني للزكاة حين تمتد الأيادي لتخفيف المعاناة وترميم ما أضعفته ظروف الحياة
وفي ولاية الجزيرة جاءت نفرة المصارف الكبري ضمن جهود الإسناد الاجتماعي وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين وتتواصل مسيرة العطاء في ولايتي النيل الأزرق وشمال كردفان ضمن خريطة التدخلات التي ينفذها ديوان الزكاة في مختلف أنحاء البلاد لتبقى الغاية واحدة وإن تعددت أسماء الحملات وتنوعت وسائل التنفيذ ، ويبقي الهدف الوصول إلى المحتاجين وتخفيف معاناتهم وفتح أبواب الأمل أمامهم .
وحين تُجمع هذه الجهود في سياقها الوطني الأوسع تتجلى صورة أكبر ،حكايةُ مؤسسةٍ تحاول أن تجعل من المال حقاً يصل إلى مستحقيه ومن المشروعات جسوراً تعبر بها الأسر من الحاجة إلى الإنتاج ومن العمل الميداني وسيلةً للاقتراب من المواطن وفهم واقعه والاستجابة لتطلعاته ،وإذا كانت أغنية الدامر قد جابت السودان بالكلمة واللحن فها هي مسيرة ديوان الزكاة تجوب البلاد بالعطاء والعمل ،تتنقل بين الولايات وتحمل في كل محطةٍ وعداً بالتخفيف والمساندة وأملاً في غدٍ أفضل .
فالسودان الذي جمعته الأغنية في وجدان أبنائه تجمعه اليوم قيم التكافل والتراحم والتعاضد وبين نداء الفن ونداء الواجب تبقى الحقيقة الأعمق أن الوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها ولا تصنع مستقبله الشعارات بل تبنيه أيادٍ تعمل وقلوبٌ ترحم ومؤسساتٌ تؤمن بأن كرامة الإنسان هي الغاية وأن مكافحة الفقر مسؤوليةٌ مستمرة تجاه المجتمع والوطن




