مهد الحروف د. هيثم حسن عبد السلام خبير شؤون المستهلك mismawia@yahoo.com *بُشرى الحديد.. واختبار السوق!*

مهد الحروف
د. هيثم حسن عبد السلام
خبير شؤون المستهلك
mismawia@yahoo.com
*بُشرى الحديد.. واختبار السوق!*
منذ الإعلان عن الترتيبات لافتتاح أكبر مصنع متكامل للحديد في السودان، باستثمار يتجاوز الـ 70 مليون دولار، وسيل البشريات يتصدر المشهد. أرقام طموحة تُداعب تطلعات الشارع: ترتيب رابع عشر على مستوى القارة، آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وحماية للعملة الوطنية عبر توفير 50 مليون دولار شهرياً كانت تذهب لإنفاذ فاتورة الاستيراد.
كل هذه الأرقام والبيانات البرّاقة المندفعة مع التبشير بإنشاء هذا الصرح الصناعي تجعلنا نشيد بالخطوة ونحيي القائمين عليها؛ فالصناعة الوطنية هي الركيزة الأولى لأي نهضة مرتقبة.
ولكن.. بعيداً عن النشوة الأولى للبيانات الصحفية والاحتفالات البروتوكولية، يبدأ السؤال الأهم بالفرض القسري على أرض الواقع: هل سينعكس هذا المصنع إيجاباً وبشكل مباشر على المواطن والمستهلك، عبر خفض حقيقي وملموس لسعر طن الحديد؟
إن لم ينزل هذا الاستثمار الضخم من سماء “الجدوى الاقتصادية الكلية” إلى أرض “المواطن البسيط” الذي يحلم بسقف يئويه أو جدار يرفعه، فسنظل ندور في ذات الدائرة العقيمة. دائرة هلامية المصانع والشركات التي تتسربل بشعارات “مصلحة المواطن ودعم الاقتصاد الوطني”، بينما تقبع في حقيقتها تحت وطأة التربح والربح السريع، ليصبح المستهلك مجرد حطب لقوة استهلاكية تُغذي أرباح كبار المستثمرين دون أن يناله من التنمية إلا حطام الأسعار المرتفعة.
خفض تكاليف البناء المذكور في خطة المشروع يجب ألا يظل حبراً على ورق التوقعات؛ بل اختباراً حقيقياً لمدى صدق هذه البشريات. فالمواطن الشغوف بالبناء والمشروعات الصغيرة بعد ما شهده الوطن من دمار ممنهج بسبب الحرب ، لا تبهره مرتبة المصنع إفريقياً بقدر ما يهمه ما سيدفعه من جيبه عند منافذ البيع.
نتمنى أن يكون هذا المشروع نقطة تحول حقيقية تكسر احتكار الأسعار وتُعيد التوازن لأسواق البناء، لا مجرد رقم جديد يُضاف إلى قائمة “المؤسسات الكبرى” التي تزداد ثراءً بينما يزداد المواطن إرهاقاً.




