إصلاح الخدمة المدنية .. البداية من إعادة بناء المؤسسة* محمد عنتر – باحث اقتصادي

*إصلاح الخدمة المدنية .. البداية من إعادة بناء المؤسسة*
محمد عنتر – باحث اقتصادي
ليست مشكلة الخدمة المدنية في السودان في عدد الموظفين وحده، كما أن إصلاحها لا يعني بالضرورة الاستغناء عن العاملين. المشكلة أعمق من ذلك؛ فهي ترتبط بالكيفية التي صُممت بها مؤسسات الدولة، وتوزعت بها الوظائف والاختصاصات، ومدى توافق الموارد البشرية مع الاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
وقد كشفت السنوات الماضية، ثم جاءت الحرب لتزيد الأمر تعقيدًا، عن الحاجة إلى جهاز إداري أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع واقع اقتصادي شديد التعقيد. فإعادة بناء الاقتصاد لن تنجح إذا ظلت المؤسسات التي تدير الموارد وتصنع السياسات تعمل بالهياكل والأساليب نفسها التي تراكمت عبر عقود.
*المشكلة تبدأ من الوظيفة*
تقدم وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي نموذجًا يمكن من خلاله قراءة جانب من مشكلة الخدمة المدنية. فالوزارة تضم نحو 936 وظيفة تنفيذية تقريبًا، يمثل الاقتصاديون منها حوالي 31.5%، بينما يشكل حملة الشهادة السودانية نحو 15%، إلى جانب تخصصات أخرى متفاوتة الصلة بطبيعة العمل المالي والاقتصادي.
وجود وظائف مساندة أمر طبيعي في أي مؤسسة، لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط الوظائف التنفيذية بالكتابية، أو يشغل الموظف وظيفة لا تتناسب مع تخصصه، أو تستمر وظائف لا ترتبط باحتياج حقيقي للمؤسسة.
ولا تنعكس هذه الاختلالات على الإنتاجية وحدها، وإنما تؤدي أيضًا إلى إهدار جزء من الموارد البشرية التي يمكن أن تحقق قيمة أكبر إذا أعيد توزيعها على مؤسسات تحتاج إليها، أو أعيد تأهيلها لشغل وظائف تتناسب مع احتياجات الدولة.
لذلك فإن معالجة الترهل الوظيفي ينبغي ألا تبدأ بالفصل، وإنما بالسؤال الأساسي: *ما الوظائف التي تحتاجها الدولة فعلًا؟ وما عدد العاملين المطلوب لكل وظيفة؟ وأين يمكن أن تحقق الموارد البشرية المتاحة أكبر قيمة؟*
*الوظيفة قبل الموظف*
من أكبر مشكلات الإدارة الحكومية أن التعامل مع الموظف غالبًا يسبق تحديد الحاجة إلى الوظيفة نفسها.
الإصلاح يجب أن يعكس هذه المعادلة. تبدأ العملية بتحديد الوظائف المطلوبة وفق اختصاص كل مؤسسة، ثم تحديد العدد الفعلي للعاملين اللازمين، وبعد ذلك تحديد المؤهلات والتخصصات المناسبة لشغلها.
ويجب أن يخضع الهيكل الوظيفي بأكمله للتنقيح وفق وصف وظيفي واضح ودقيق يحدد المهام والمسؤوليات والصلاحيات ومؤشرات الأداء والعلاقة التنظيمية بكل وظيفة.
وهذا التحول مهم لأنه يضع حدًا للتداخل بين الوظائف، ويقلل مساحة الاجتهاد والتحكم الشخصي في توزيع المهام، ويجعل التقييم والترقية أكثر ارتباطًا بالكفاءة والأداء.
*معالجة الترهل.. إصلاح لا إقصاء*
لا يمكن معالجة الترهل الوظيفي بقرار إداري سريع، لأن وراء كل وظيفة موظفًا له خبرة وظروف والتزامات. لذلك فإن الإصلاح يحتاج إلى مسارات متعددة تراعي المصلحة العامة وحقوق العاملين في الوقت نفسه.
ومن أهم الأدوات التي يمكن استخدامها فتح باب المعاش الاختياري المبكر لمن يرغب من العاملين، وفق ضوابط واضحة وحوافز تشجيعية تجعل الخيار جاذبًا وطوعيًا، خصوصًا في الوظائف التي ثبت وجود فائض فيها.
وفي الوقت نفسه، يجب وقف التوسع في التعيين قبل الانتهاء من تحديد الاحتياجات الفعلية، بحيث لا يتم شغل أي وظيفة إلا إذا كانت مرتبطة باحتياج مؤسسي واضح، وبعدد محدد، وتخصص مطلوب.
أما العاملون الذين يمكن الاستفادة منهم في مؤسسات أخرى، فينبغي إعادة توزيعهم وفق احتياجات الدولة، بينما يمكن إعادة تأهيل من لديهم قابلية لشغل وظائف جديدة تتوافق مع التحول في طبيعة العمل الحكومي.
وبذلك يصبح الهدف إدارة فائض العمالة وإعادة توظيفه اقتصاديًا، وليس التخلص منه.
*وزارة المالية تحتاج إلى هيكل يخدم الاقتصاد*
وزارة المالية ليست مؤسسة مالية بالمعنى الضيق، بل هي في قلب عملية صنع القرار الاقتصادي. ولذلك يجب أن تعمل وظائف التخطيط والموازنة والسياسة المالية وإدارة الدين والأصول والإيرادات والإنفاق ضمن منظومة واحدة ومترابطة.
ومن هنا يأتي مقترح اعتماد وكيل واحد للمالية والتخطيط الاقتصادي يتولى قيادة الجهاز التنفيذي للوزارة، مع إعادة تنظيم الإدارات وفق وظائفها الأساسية وربطها ببعضها بصورة واضحة.
المقصود ليس تغيير المسميات أو إعادة توزيع الاختصاصات شكليًا، وإنما بناء سلسلة عمل متكاملة تبدأ بتحليل الوضع الاقتصادي وتحديد الأولويات، ثم تحويلها إلى خطط وبرامج، وترجمتها ماليًا من خلال الموازنة، ثم متابعة التنفيذ وقياس النتائج.
وبذلك تصبح المسؤولية أوضح، ويصبح التنسيق جزءًا من تصميم المؤسسة نفسها، وليس أمرًا يعتمد على العلاقات الشخصية أو الاجتهاد الإداري.
*الموازنة تحتاج إلى عقل اقتصادي مبتكر ومواكب*
يُعد إصلاح الموازنة أحد أهم مفاتيح إصلاح وزارة المالية.
فالموازنة ليست مجرد أرقام توزع على الوزارات والمؤسسات، وإنما هي ترجمة لأولويات الدولة وخياراتها الاقتصادية. ولذلك يجب أن تتجه الموارد إلى البرامج والمشروعات والخدمات التي تحقق أعلى أثر اقتصادي واجتماعي، وليس إلى الجهات الأكثر قدرة على التأثير أو المطالبة.
وهنا يصبح الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء ضرورة، بحيث لا يكون السؤال فقط: *كم أنفقنا؟ وإنما أيضًا: ماذا حققنا بهذا الإنفاق؟*
ويتطلب ذلك بيانات موثوقة، وتقديرات واقعية، وتحليلًا اقتصاديًا، ومؤشرات أداء، ونظامًا فعالًا للمتابعة والتقييم، إلى جانب قدر أكبر من الشفافية في إعداد الموازنة وتنفيذها.
*من موظف الإجراءات إلى موظف صناعة القرار*
السودان يواجه تحديات اقتصادية لا يمكن التعامل معها بعقلية إدارية تقليدية. التضخم، وسعر الصرف، والدين العام، وضعف الإنتاج، وتراجع الصادرات والإيرادات، كلها قضايا تحتاج إلى موظفين قادرين على التحليل وصناعة الحلول، وليس فقط تنفيذ الإجراءات.
ولهذا يجب أن يعاد تحديد احتياجات المؤسسات الاقتصادية من التخصصات، مع إعطاء الأولوية للاقتصاد الكلي، والاقتصاد القياسي، والسياسة المالية، وإدارة الدين، وإدارة الأصول، وتحليل البيانات والمخاطر، وإدارة المشروعات وغيرها من التخصصات المرتبطة مباشرة بالوظائف الجديدة للدولة.
الدولة لا تحتاج بالضرورة إلى موظفين أكثر؛ إنها تحتاج إلى موظفين أفضل توزيعًا، وأكثر تخصصًا، وأكثر قدرة على إنتاج الحلول.
*الحرب تفرض علينا ألا نعيد بناء الماضي*
أضعفت الحرب مؤسسات الدولة وشتتت الكفاءات وأثرت على السجلات وقنوات الاتصال والعمل الإداري. لكنها في الوقت نفسه تضع أمام السودان فرصة لإعادة النظر في شكل الدولة التي يريد بناءها.
فليس من المنطقي أن ننفق موارد كبيرة على إعادة الإعمار ثم نعيد المؤسسات بالهياكل والأساليب القديمة نفسها.
يجب أن تشمل إعادة البناء المؤسسة إلى جانب المبنى: هيكلًا أكثر رشاقة، ووظائف محددة، وموظفين أكثر كفاءة، ونظمًا رقمية، وقواعد بيانات موثوقة، ومسؤوليات واضحة، ومؤسسات تقاس نتائجها بما تنجزه لا بعدد العاملين فيها.
*نحو خدمة مدنية جديدة*
إصلاح الخدمة المدنية يجب أن يبدأ بحصر شامل ودقيق للوظائف، وتحديد الاحتياجات الفعلية لكل مؤسسة، وتحديد العدد المطلوب لكل تخصص، ثم تنقيح الهياكل وفق الأوصاف الوظيفية المعتمدة.
وبعد ذلك تأتي معالجة الفائض من خلال إعادة التوزيع، وإعادة التأهيل، وفتح باب المعاش الاختياري المبكر بحوافز مناسبة، مع وقف إنشاء وظائف جديدة لا تستند إلى احتياج حقيقي.
لكن الإصلاح لا يكتمل بالهيكل وحده. فلا بد من ربط التعيين والترقية والتقييم بالكفاءة والأداء، وتطوير التدريب، والتحول الرقمي، وإدخال مؤشرات النتائج في الإدارة الحكومية.
والأهم أن تتغير الثقافة التي تحكم الخدمة المدنية؛ من النظر إلى الوظيفة باعتبارها حقًا مكتسبًا إلى النظر إليها باعتبارها مسؤولية وأداة لإنتاج القيمة العامة وخدمة المواطن.
السودان في مرحلة إعادة تأسيس، وهذه المرحلة تحتاج إلى دولة تعرف احتياجاتها بدقة، وتضع لكل وظيفة هدفًا واضحًا، ولكل موظف مسؤولية محددة، ولكل مورد نتيجة يمكن قياسها.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لديها أكبر عدد من الموظفين، وإنما الدولة التي تمتلك العدد المناسب، في المكان المناسب، بالتخصص المناسب، ويعمل وفق وظيفة واضحة ويُحاسب على نتيجة واضحة.
ومن هنا فإن إصلاح الخدمة المدنية ليس ملفًا إداريًا على هامش مشروع بناء السودان؛ إنه أحد أهم أبواب إعادة بناء الدولة نفسها، وتحويل مواردها البشرية من عبء على الموازنة إلى قوة قادرة على قيادة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.




