
عبد الكريم ابراهيم يكتب :
الحيشان … عندما يحكي الإنسان المكان
الحوش في السودان لم يكن يوماً مساحة مسوّرة تحيط بالبيت ، ولا كان (البيت الكبير) بناء تتسع حجراته لأفراد الأسرة فقط ، لقد كان في جوهره ، مؤسسة اجتماعية وثقافية مصغّرة ، تتقاطع في فضائه تفاصيل الحياة كلها ، الأسرة الممتدة والجيرة ، الفرح والحزن ، التربية واللعب ، الكرم والتكافل ، والذاكرة التي تنتقل من جيل إلى جيل .
كان الحوش أشبه بقلب نابض تتجمع حوله شرايين المجتمع ، فيه يستقبل الناس ضيوفهم ، وتقام الأفراح ، و سرادق العزاء ، وتُذبح الذبائح ، وتُعد الولائم ، ويتعلم الصغار من الكبار أصول الضيافة واحترام الكبير وإغاثة المحتاج ، وفيه كانت الحياة الاجتماعية جزءاً من التربية اليومية ، فالحوش رابطة أسرية ممتدة لجد أو جدة ، تجمع الأبناء والأحفاد في فضاء واحد ينبض بالتلاحم والتعاضد .
ومن هنا يمكن فهم اختلاف صورة الحوش من بيئة إلى أخرى ، ففي الجزيرة ارتبط الحوش باللمة والتواصل الأسري بين أهل القرى ، وفي أم درمان اكتسب الحوش بعداً اجتماعياً وثقافياً بارزاً ، فكان فضاءً للأنس والمدائح والغناء والدوبيت والمناسبات الشعبية ، أما في الخرطوم بحري ، فقد أخذ البيت والحوش طابعاً أكثر اتصالاً بالحياة الحضرية الحديثة ، مع احتفاظهما بوظيفتهما الاجتماعية والتكافلية .
وفي مدن وقرى السودان المختلفة تعددت أسماء الحيشان بحسب الأسر والقبائل والمهن والشخصيات والأحداث التي ارتبطت بها ، فهناك حوش خليفة المهدي ، منطقة الحوش بولاية الجزيرة ، حوش بانقا بولاية نهر النيل ، العمدة ، الشيخ ، الفكي ، الناظر ، التاجر ، وحوش الأسرة الفلانية ، وغيرها من التسميات التي لم تكن علامات مكانية فقط ، بل كانت عناوين للهوية الاجتماعية وذاكرة الجماعة. فحين كان يقال (حوش فلان) ، لم يكن يعني عنواناً بالمعنى الحديث ، وإنما كان يستدعي أسرة بأكملها ، مكانتها ، علاقاتها ، أهلها ، وما ارتبط بها من مناسبات وحكايات .
ولم يكن الحوش مكان للسكن فحسب ، بل كان مدرسة اجتماعية مفتوحة ، فيه يتعلم الطفل منذ صغره أن البيت ليس ملكاً خاصاً بمعناه الضيق ، وأن للضيف مكاناً ، وللجار حقاً وللقريب واجباً ، وللمحتاج نصيباً ، وأن المناسبات لا تُدار بمنطق الفرد وإنما بروح الجماعة ، وكانت المرأة تحتل موقعاً محورياً في هذه المنظومة ، فهي التي تدير شؤون البيت ، وتستقبل الزائرات ، وتشارك في تجهيز الأفراح والمآتم ، وتحمل جانباً مهماً من الذاكرة اليومية للأسرة ، وكان الرجل يتحمل أعباء العمل والإعالة من مصادر دخله الخارجية كالقيادة أو التجارة أو السواقي ، بينما تتداخل أدوار الجميع في منظومة أسرية واحدة .
وكان الحوش كذلك ملعب الطفولة الأول في ساحاته الواسعة مارس الأطفال الجري والمصارعة والألعاب الجماعية ، وتعلموا المنافسة والانضباط وروح الفريق ، ومن تلك الساحات البسيطة بدأت علاقة كثير من الصغار بالرياضة ، وكانت كرة القدم في بداياتها تُمارس أحياناً بوسائل متواضعة كرة (الشراب) قبل أن تعرف الأحياء والملاعب الكرة الحديثة.
وهكذا جمع الحوش وظائف المدرسة والنادي والمجلس ومسرح المناسبات ، كان مؤسسة بلا لافتة ، ومدرسة بلا منهج مكتوب ، ومجلساً بلا مقاعد رسمية ، لكنه كان يخرج أجيالاً تعرف معنى المسؤولية والجيرة والكرم والانتماء ، وفي الأفراح كان الحوش يتحول إلى فضاء للفرح الجماعي ، وفي المآتم كان يفتح أبوابه للمعزين ، وبين الأفراح والأتراح كانت جلسات المساء نفسها جزءاً من حياته ، القهوة ، الشاي ، حكايات الكبار ، وأخبار المسافرين ، وسيرة الأولين .
ولذلك لم يكن غريباً أن تجد مفردات (الدار) ، (البيت) ، (الحوش) و(الحلة) حضوراً واضحاً في الوجدان السوداني وفي الغناء والشعر ، ومن الشواهد أغنية (نور بيتنا) لفرقة البلابل ، و (ست البيت) للشاعر (ود الرضي) ، فضلاً عن الأقوال الشعبية ، المتداولة مثل (الحوش ساتر) و (الحيشان بتوري مقام أهلها) .
وإذا كانت تلك هي الصورة العامة للحوش السوداني ، فإن حلفاية الملوك تقدم نموذجاً بالغ الخصوصية والثراء ، فعندما تُذكر الحلفاية ، يستحضر المرء تاريخ العبدلاب وكتاب البروفيسور عون الشريف قاسم ذائع الصيت والمرجع (حلفاية الملوك .. التاريخ والبشر) ، وفي قلب هذه الذاكرة تقف الحيشان بوصفها وحدات اجتماعية للأسرة الممتدة ، تضم الديوان وموضع الضيوف وساحة المناسبات ، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بأسماء كثيرة لحيشان الحلفاية ، مثالا لا حصرا حوش الخليفة علي ، عبد العال ، الفضل ، ود ام دوم ، الرسالة ، الدندن ، حسونة ، الزين ، نمر ، الزبير ، سيدي ، حاج أحمد ، أم دولة ، نصرة ، الأرباب ، جارعودي ، المانجل ، العمدة ، غبوش ، وغيرها مما لا تتسع الذاكرة تذكرهم ، ومن أبرزها دون شك حوش المانجل المرتبط ببيت المشيخة وبأسرة الشيخ المانجل محمد جماع والد الشاعر إدريس محمد ، وحوش العمدة المرتبط بالديوان الكبير ومجالس الرجال والضيافة .
في حيشان عبد الكريم ابراهيم يكتب :
الحيشان … عندما يحكي الإنسان المكان
الحوش في السودان لم يكن يوماً مساحة مسوّرة تحيط بالبيت ، ولا كان (البيت الكبير) بناء تتسع حجراته لأفراد الأسرة فقط ، لقد كان في جوهره ، مؤسسة اجتماعية وثقافية مصغّرة ، تتقاطع في فضائه تفاصيل الحياة كلها ، الأسرة الممتدة والجيرة ، الفرح والحزن ، التربية واللعب ، الكرم والتكافل ، والذاكرة التي تنتقل من جيل إلى جيل .
كان الحوش أشبه بقلب نابض تتجمع حوله شرايين المجتمع ، فيه يستقبل الناس ضيوفهم ، وتقام الأفراح ، و سرادق العزاء ، وتُذبح الذبائح ، وتُعد الولائم ، ويتعلم الصغار من الكبار أصول الضيافة واحترام الكبير وإغاثة المحتاج ، وفيه كانت الحياة الاجتماعية جزءاً من التربية اليومية ، فالحوش رابطة أسرية ممتدة لجد أو جدة ، تجمع الأبناء والأحفاد في فضاء واحد ينبض بالتلاحم والتعاضد .
ومن هنا يمكن فهم اختلاف صورة الحوش من بيئة إلى أخرى ، ففي الجزيرة ارتبط الحوش باللمة والتواصل الأسري بين أهل القرى ، وفي أم درمان اكتسب الحوش بعداً اجتماعياً وثقافياً بارزاً ، فكان فضاءً للأنس والمدائح والغناء والدوبيت والمناسبات الشعبية ، أما في الخرطوم بحري ، فقد أخذ البيت والحوش طابعاً أكثر اتصالاً بالحياة الحضرية الحديثة ، مع احتفاظهما بوظيفتهما الاجتماعية والتكافلية .
وفي مدن وقرى السودان المختلفة تعددت أسماء الحيشان بحسب الأسر والقبائل والمهن والشخصيات والأحداث التي ارتبطت بها ، فهناك حوش خليفة المهدي ، منطقة الحوش بولاية الجزيرة ، حوش بانقا بولاية نهر النيل ، العمدة ، الشيخ ، الفكي ، الناظر ، التاجر ، وحوش الأسرة الفلانية ، وغيرها من التسميات التي لم تكن علامات مكانية فقط ، بل كانت عناوين للهوية الاجتماعية وذاكرة الجماعة. فحين كان يقال (حوش فلان) ، لم يكن يعني عنواناً بالمعنى الحديث ، وإنما كان يستدعي أسرة بأكملها ، مكانتها ، علاقاتها ، أهلها ، وما ارتبط بها من مناسبات وحكايات .
ولم يكن الحوش مكان للسكن فحسب ، بل كان مدرسة اجتماعية مفتوحة ، فيه يتعلم الطفل منذ صغره أن البيت ليس ملكاً خاصاً بمعناه الضيق ، وأن للضيف مكاناً ، وللجار حقاً وللقريب واجباً ، وللمحتاج نصيباً ، وأن المناسبات لا تُدار بمنطق الفرد وإنما بروح الجماعة ، وكانت المرأة تحتل موقعاً محورياً في هذه المنظومة ، فهي التي تدير شؤون البيت ، وتستقبل الزائرات ، وتشارك في تجهيز الأفراح والمآتم ، وتحمل جانباً مهماً من الذاكرة اليومية للأسرة ، وكان الرجل يتحمل أعباء العمل والإعالة من مصادر دخله الخارجية كالقيادة أو التجارة أو السواقي ، بينما تتداخل أدوار الجميع في منظومة أسرية واحدة .
وكان الحوش كذلك ملعب الطفولة الأول في ساحاته الواسعة مارس الأطفال الجري والمصارعة والألعاب الجماعية ، وتعلموا المنافسة والانضباط وروح الفريق ، ومن تلك الساحات البسيطة بدأت علاقة كثير من الصغار بالرياضة ، وكانت كرة القدم في بداياتها تُمارس أحياناً بوسائل متواضعة كرة (الشراب) قبل أن تعرف الأحياء والملاعب الكرة الحديثة.
وهكذا جمع الحوش وظائف المدرسة والنادي والمجلس ومسرح المناسبات ، كان مؤسسة بلا لافتة ، ومدرسة بلا منهج مكتوب ، ومجلساً بلا مقاعد رسمية ، لكنه كان يخرج أجيالاً تعرف معنى المسؤولية والجيرة والكرم والانتماء ، وفي الأفراح كان الحوش يتحول إلى فضاء للفرح الجماعي ، وفي المآتم كان يفتح أبوابه للمعزين ، وبين الأفراح والأتراح كانت جلسات المساء نفسها جزءاً من حياته ، القهوة ، الشاي ، حكايات الكبار ، وأخبار المسافرين ، وسيرة الأولين .
ولذلك لم يكن غريباً أن تجد مفردات (الدار) ، (البيت) ، (الحوش) و(الحلة) حضوراً واضحاً في الوجدان السوداني وفي الغناء والشعر ، ومن الشواهد أغنية (نور بيتنا) لفرقة البلابل ، و (ست البيت) للشاعر (ود الرضي) ، فضلاً عن الأقوال الشعبية ، المتداولة مثل (الحوش ساتر) و (الحيشان بتوري مقام أهلها) .
وإذا كانت تلك هي الصورة العامة للحوش السوداني ، فإن حلفاية الملوك تقدم نموذجاً بالغ الخصوصية والثراء ، فعندما تُذكر الحلفاية ، يستحضر المرء تاريخ العبدلاب وكتاب البروفيسور عون الشريف قاسم ذائع الصيت والمرجع (حلفاية الملوك .. التاريخ والبشر) ، وفي قلب هذه الذاكرة تقف الحيشان بوصفها وحدات اجتماعية للأسرة الممتدة ، تضم الديوان وموضع الضيوف وساحة المناسبات ، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بأسماء كثيرة لحيشان الحلفاية ، مثالا لا حصرا حوش الخليفة علي ، عبد العال ، الفضل ، ود ام دوم ، الرسالة ، الدندن ، حسونة ، الزين ، نمر ، الزبير ، سيدي ، حاج أحمد ، أم دولة ، نصرة ، الأرباب ، جارعودي ، المانجل ، العمدة ، غبوش ، وغيرها مما لا تتسع الذاكرة تذكرهم ، ومن أبرزها دون شك حوش المانجل المرتبط ببيت المشيخة وبأسرة الشيخ المانجل محمد جماع والد الشاعر إدريس محمد جماع ، وحوش العمدة المرتبط بالديوان الكبير ومجالس الرجال والضيافة .
في حيشان الحلفاية كانت دورة الحياة الاجتماعية مكتملة ، في الديوان استقبال الضيوف ، وفي الساحة لعب الأطفال ، وفي المناسبات تتسع الدائرة لتشمل الأقارب والجيران ، فالأطفال كان الحوش عالمهم الأول ، ومنه يخرجون إلى الحلة ثم المدرسة ، يتعلمون قيم الاحترام والتعاون .
إن توثيق حيشان حلفاية الملوك هو مشروع ذاكرة متكامل يجمع بين التاريخ المكتوب والشفهي ، للتعرف على الأسرة الممتدة التي سكنت كل حوش والشخصيات التي خرجت منه . فالحوش هو الحاضنة الأولى للشخصية الاجتماعية والثقافية ، ومدرسة تدرس الكرم ، المسؤولية ، الصبر ، الشجاعة ، والوفاء .
وتبقى الحيشان السودانية ، وفي مقدمتها حيشان حلفاية الملوك ، مفتاحاً لقراءة المجتمع وقيمه ، فهي ذاكرة المكان ، وذاكرة الأسرة ، وشاهد حي على زمن كانت فيه الجدران تفصل البيوت ، لكنها لا تفصل قلوب الناس عن بعضهم .الحلفاية كانت دورة الحياة الاجتماعية مكتملة ، في الديوان استقبال الضيوف ، وفي الساحة لعب الأطفال ، وفي المناسبات تتسع الدائرة لتشمل الأقارب والجيران ، فالأطفال كان الحوش عالمهم الأول ، ومنه يخرجون إلى الحلة ثم المدرسة ، يتعلمون قيم الاحترام والتعاون .
إن توثيق حيشان حلفاية الملوك هو مشروع ذاكرة متكامل يجمع بين التاريخ المكتوب والشفهي ، للتعرف على الأسرة الممتدة التي سكنت كل حوش والشخصيات التي خرجت منه . فالحوش هو الحاضنة الأولى للشخصية الاجتماعية والثقافية ، ومدرسة تدرس الكرم ، المسؤولية ، الصبر ، الشجاعة ، والوفاء .
وتبقى الحيشان السودانية ، وفي مقدمتها حيشان حلفاية الملوك ، مفتاحاً لقراءة المجتمع وقيمه ، فهي ذاكرة المكان ، وذاكرة الأسرة ، وشاهد حي على زمن كانت فيه الجدران تفصل البيوت ، لكنها لا تفصل قلوب الناس عن بعضهم .



