التعافي الاقتصادي يبدأ من الصادرات* *السياسات المالية والنقدية التوسعية طريق السودان نحو النمو* محمد عنتر – باحث اقتصادي

*التعافي الاقتصادي يبدأ من الصادرات*
*السياسات المالية والنقدية التوسعية طريق السودان نحو النمو*
محمد عنتر – باحث اقتصادي
في أوقات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قدرة الدول بمدى قدرتها على إدارة الانكماش، وإنما بقدرتها على صناعة التعافي. والسودان، الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث بسبب الحرب، يحتاج اليوم إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء اقتصاد جديد، يقوم على الإنتاج والصادرات، لا على الجبايات أو الحلول المؤقتة.
لقد أدى تراجع النشاط الاقتصادي، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وانخفاض الصادرات، وتراجع الإيرادات العامة، إلى ضغوط هائلة على المالية العامة وسعر الصرف ومستويات المعيشة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التوسع الاقتصادي المدروس ضرورة، وليس ترفاً.
غير أن المقصود بالتوسع هنا ليس ضخ الأموال في الأسواق دون ضوابط، وإنما تبني سياسات مالية ونقدية توسعية تستهدف القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة وزيادة حصيلة البلاد من النقد الأجنبي. وفي مقدمة هذه القطاعات يأتي قطاع الصادرات، الذي ينبغي أن يتحول إلى القاطرة التي تقود الاقتصاد السوداني نحو التعافي.
يمتلك السودان مقومات استثنائية تؤهله لذلك؛ فهو من أغنى الدول بالموارد الزراعية والثروة الحيوانية والمعادن، فضلاً عن منتجات ذات سمعة عالمية مثل الصمغ العربي والسمسم والقطن والفول السوداني. لكن هذه الإمكانات ظلت لسنوات طويلة أقل من قدراتها الحقيقية بسبب ضعف التمويل، وسوء البنية التحتية، وغياب السياسات الداعمة للإنتاج والتصدير.
ومن هنا تبرز أهمية السياسة المالية التوسعية، التي ينبغي أن تركز على إعادة تأهيل المشاريع الزراعية، وتحسين شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ، وتوفير الطاقة، وتقديم الحوافز الضريبية للمصدرين، وإنشاء صناديق لتمويل الإنتاج الزراعي والصناعي. فالإنفاق الحكومي يصبح استثماراً عندما يرفع الطاقة الإنتاجية ويزيد القدرة التنافسية للمنتج السوداني.
وفي المقابل، فإن السياسة النقدية مطالبة أيضاً بتغيير أولوياتها. فبدلاً من الاكتفاء بمحاربة التضخم عبر تشديد الائتمان، يجب أن يصبح التمويل الموجه للإنتاج والصادرات جزءاً من استراتيجية البنك المركزي. فالتمويل منخفض التكلفة للمزارعين والمنتجين والمصدرين ليس دعماً استهلاكياً، بل استثمار في زيادة الإنتاج وتعزيز حصيلة البلاد من العملات الأجنبية.
إن استقرار سعر الصرف لن يتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، بل عندما ترتفع الصادرات وتتدفق العملات الأجنبية بصورة مستدامة. فكل دولار يدخل عبر التصدير يمثل دعماً حقيقياً للجنيه السوداني، ويقلل الحاجة إلى الاقتراض أو التمويل التضخمي.
لقد أثبتت تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وفيتنام أن التحول الاقتصادي يبدأ عندما تصبح الصادرات محور السياسات الاقتصادية، وتعمل المالية العامة والسياسة النقدية في اتجاه واحد، لدعم الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية.
وبالنسبة للسودان، فإن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على بناء الجسور والمباني، بل تشمل إعادة بناء الاقتصاد نفسه على أسس جديدة، يكون فيها الإنتاج هو المصدر الحقيقي للثروة، والصادرات هي المحرك الرئيس للنمو، والقطاع الخاص شريكاً أساسياً في التنمية.
إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية اقتصادية واضحة تتجاوز الحلول قصيرة الأجل، وتؤسس لاقتصاد قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً. فالتحدي الحقيقي ليس فقط وقف التدهور الاقتصادي، وإنما بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية وقدرة على الصمود أمام الأزمات.
إن السودان لا تنقصه الموارد، وإنما يحتاج إلى سياسات تجعل هذه الموارد تتحول إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات، والصادرات إلى نمو واستقرار ورفاه. وعندما تصبح هذه الحلقة هي محور السياسات الاقتصادية، فإن التعافي لن يكون مجرد أمنية، بل سيكون مشروعاً وطنياً قابلاً للتحقيق.


